آخر تحديث :السبت-07 فبراير 2026-01:12ص

حكاية اللسان العربي بين "تسهيل" الحجاز و"تحقيق" تميم

الجمعة - 06 فبراير 2026 - الساعة 09:47 م
محمد محسن الجوهري

بقلم: محمد محسن الجوهري
- ارشيف الكاتب


إذا أردنا فهم خريطة اللهجات العربية اليوم، علينا أن نعود إلى الوراء ألفي عام، حيث انقسم اللسان العربي إلى مدرستين كبريين: مدرسة أهل الحجاز (أهل الحضر واللين)، ومدرسة تميم (أهل الصحراء والشدة حيث تشكلت اللهجات الدارجة اليوم من صراع لغوي قديم وجميل بين مدرستين: "الحجاز" بلينها وحضريتها، و"تميم" بجزالتها وصحرائها. كان أهل الحجاز يميلون إلى التسهيل والاقتصاد في الجهد العضلي، فكانوا يسقطون الهمزة ويقولون "بير" و"مومن" بدلاً من "بئر" و"مؤمن"، وهو النهج الذي ورثته أغلب اللهجات الحضرية المعاصرة في القاهرة ودمشق ومدن الخليج، بينما كانت تميم تفتخر بـ "نبر" الهمزة وتحقيقها بقوة من أقصى الحنجرة. ولم يقف الخلاف عند الصوت بل امتد للنحو، فخلّد القرآن الكريم لغة الحجاز في "ما" النافية التي تنصب ما بعدها كما في قوله تعالى "ما هذا بشراً"، بينما ظلت تميم ترفع ما بعدها في لهجة بقيت آثارها في بعض مناطق نجد والبادية.


وقد أثرت هذه الفوارق في رسم خارطة اللهجات العربية التي نسمعها اليوم في الشوارع؛ فبينما تبنت اللهجات الدارجة في الحواضر العربية روح التسهيل الحجازية، احتفظت لهجات أخرى، كالعراقية والبدوية وبعض لهجات اليمن وريف الشام، بملامح تميمية صلبة مثل "العنعنة" التي تحول الهمزة عيناً، أو "الكشكشة" التي تمنح كاف الخطاب المؤنثة صوتاً شينياً. هذا التمازج التاريخي جعل لساننا المعاصر مزيجاً مدهشاً، فنحن نستخدم "حجازية" الأداء في سلاسة الجمل، بينما نستدعي "تميمية" المخارج في نطق القاف والجيم القوية، ليظل الصراع القديم بين القبيلتين حياً في كل كلمة ننطقها اليوم دون أن نشعر.


ولا يقف هذا التمايز عند حدود الصوت والحرف، بل يمتد ليشمل "بناء الكلمة" وقوة جرسها في النفس؛ فالمدرسة التميمية كانت ترى في "النبر" والتشديد وسيلة لبسط الهيبة وإيصال الصوت عبر مسافات الصحراء الشاسعة، مما ولّد إرثاً لغوياً يتسم بالاستمرارية والقوة، يظهر جلياً في لهجات القبائل التي لم تختلط كثيراً بالأعاجم. هذا "الاعتزاز بالبيان" هو الذي جعل لهجة تميم مرجعاً أساسياً لعلماء اللغة الأوائل في البصرة، الذين وجدوا فيها الحصانة ضد "اللحن" الذي بدأ يتسرب إلى حواضر الحجاز بسبب حركة التجارة والاختلاط بالأمم الأخرى، وهو ما يفسر بقاء المفردات التميمية القوية حية في الذاكرة الجمعية لأهل البادية حتى اليوم.


وفي المقابل، فإن العبقرية الحجازية تجلت في قدرتها على تطويع اللغة لتلائم حياة "الاستقرار" والمدنية، حيث استبدلوا الجفاء اللفظي برقة في المخارج تليق بمجتمع مكة والمدينة التجاري والروحاني. هذا التوجه نحو "التلطيف اللغوي" هو الذي مهد الطريق لاحقاً لانتشار العربية في مصر والمغرب العربي، حيث وجدت الشعوب غير العربية في "سهولة الحجاز" مدخلاً يسيراً لتعلم اللسان الجديد. إن ما نسميه اليوم "الدارجة البيضاء" في وسائل الإعلام والدراما هو في جوهره انتصار للمنهج الحجازي في التواصل، الذي يفضل كسر الحواجز الصوتية وتقريب المسافات بين المتحدثين بأقل مجهود نطقي ممكن.


إن هذا التدافع بين المدرستين لم يكن انقساماً بقدر ما كان "تكاملًا" عبقرياً صنع للعربية جناحيها؛ جناح القوة والجزالة الذي تمثله تميم، وجناح اللين والسلاسة الذي يمثله الحجاز. ومن رحم هذا التفاعل، تشكلت الخريطة اللغوية التي نعيشها اليوم، حيث نجد اليمني أو النجدي يحقق حروفه بعزة تميمية، بينما يطوع المصري أو الشامي جمله بسلاسة حجازية. إننا حين نتحدث اليوم، لا ننطق مجرد كلمات، بل نستدعي تاريخاً طويلاً من التثاقف الاجتماعي، ونثبت أن اللغة كائن حي ينمو ويتشكل بتفاعل البيئة مع العقيدة، والبداوة مع الحضر، لتظل العربية لغة جامعة تستوعب في طياتها "النبرة التميمية" القاسية و"النسمة الحجازية" الرقيقة في آن واحد.