آخر تحديث :السبت-07 فبراير 2026-01:12ص

قراءة في ضجيج اللحظة العدنية بين اتساع مساحة التعبير وتراجع الأثر

الجمعة - 06 فبراير 2026 - الساعة 06:06 م
هبة فهيم

بقلم: هبة فهيم
- ارشيف الكاتب


هبه فهيم حيدر

‎في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأمم بما تقوله، بل بما تختار أن تقوله، وبما تُحسن أن تصمت عنه.
وما نشهده هذه الأيام، مع اتساع دوائر الدعوات إلى الخارج، وتبدّل الوجوه في مواقع القرار المحلي، يكشف عن سمة آخذة في الترسخ داخل المشهد الجنوبي : الاستهلاك المفرط للكلام، لا بوصفه أداة تعبير، بل كبديلٍ عن الفعل.

‎نحن أمام وفرة في الكلمات، وفقر في المعنى.
فيضٌ من الملاحظات، تكرارٌ للأفكار ذاتها، بأصوات مختلفة، تسابقٌ على الرد قبل اكتمال الفكرة، وهجومٌ يتقدّم على الفهم. حتى الحوار، الذي يفترض أن يكون جسراً بين الاختلافات، تحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة اشتباك لغوي، تتراجع فيها الآداب، ويُساء فيها للغة الحوار وآدابها قبل أن يُساء فيها للآخر.


‎ربما كان السبب ليس في سوء نية جماعية، بل في مزيجٍ معقّد من الإرهاق السياسي، والتهميش الطويل، والشعور العميق بأن “هذه اللحظة قد لا تتكرر”.
حين يشعر الناس بأن الفرص نادرة، يتحول الكلام إلى وسيلة إثبات وجود، لا أداة بناء.
وحين يغيب الإطار الجامع، يصبح الصوت العالي بديلاً عن المشروع الواضح.


‎لقد عاش الجنوبيون وبالذات ابناء عدن سنوات طويلة خارج دوائر القرار، فحين فُتحت الأبواب جزئياً، اندفع كثيرون نحو المنصات لا ليقدموا ما لديهم، بل ليؤكدوا أنهم موجودون.
وهنا يكمن الخلل: حين يصبح الهدف هو لفت النظر، لا إضافة القيمة.

‎أما الأثر… فهو أخطر من مجرد ضجيج

‎هذا السلوك، إن استمر، لا يربك المشهد فحسب، بل يُضعف صدقيته أمام الداخل والخارج معاً.
فالفاعلون الدوليون لا يستمعون لمن يكرر نفسه، ولا يراهنون على من لا يحترم اختلاف الرأي، ولا يثقون في بيئة تختلط فيها المطالب بالاتهامات، والنقد بالتهجم.

‎وفي الداخل، يؤدي هذا الضجيج إلى إنهاك الكوادر الجادة، وإقصاء العقول الهادئة، وخلق انطباع زائف بأن الجميع مشارك، بينما القليل فقط يعمل.

ولأن معالجة ذلك كله لا تبدأ بقرارات رسمية بل بتحول في الوعي العام اذن فلابد من الانتقال من ثقافة الكلام إلى ثقافة "القيمه " فليس كل حديثٍ اضافة وليس كل صمت غياب ، فالقيمة تقاس بما تقدمه ، لا بعلو صوتك او عباراتك التي تطلقها دون مراعاة لبروتوكولات الحدث و المكان والزمان. اذ إن للحوار أخلاقيات ولابد من اعادة الاعتبار لتلك الاخلاقيات في هذه المرحلة ، فالخلاف وارد لكن سوء الأدب ليس شجاعة و الطرح البناء ليس ضعف اما النقد الحقيقي فلا يحتاج إلى إهانة.

أنا لا انادي هنا بمصادرة المشاركة لكني انادي بتنظيم المشاركة ضمن أطر واضحة ، من الذي يشارك؟ ولماذا ؟ومالقيمة الحقيقة التي يمكنه إضافتها ؟

كما انادي بتقدير الجهد الهادىء ، اذ إن اخطر ما يمكن أن نخسره في هذه المرحلة هم اولئك الذين يعملون ويضيفون القيمة بصمت لأن الضجيج طردهم من المشهد ، المشهد الذي اصبح في كثير من الاوقات مدعاة للسخرية والهزلية وجرف بنا بعيداً عن التفكير في الوقت المهدور بالفوضى الهادمة . فالأغلب يريدُ أن يُرى ، قبل أن يسأل نفسهُ : ماذا أضيف ؟ والتاريخ كما نعلم لايذكر من ملأوا الاماكن كلاماً او صياحاً بل من تركوا أثراً وقدموا مساهماتهم التي تدفع نحو تحقيق أهداف النمو والاستقرار لوطن مُرهق يحتاج منا إيثاراً وأثراً.