آخر تحديث :الأربعاء-04 فبراير 2026-10:02م

"عدن الغد" لن تصمت في وجه القمع والظلم.

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 05:53 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


لم يكن الاعتداء المسلح الآثم الذي استهدف مقر صحيفة “عدن الغد” في العاصمة المؤقتة عدن حادثةً أمنيةً عابرة، ولا إشكالًا يمكن احتواؤه ببيان بارد أو تبرير سياسي مائع، بل كان فعلًا إجراميًا مكتمل الأركان، ورسالةً دمويةً صريحة مفادها أن الكلمة الحرة أصبحت هدفًا مشروعًا في يمنٍ تُدار فيه السياسة بفوهة البندقية لا بمنطق الدولة والقانون. إن اقتحام مقر صحيفة مستقلة، وتحطيمه بالكامل، ونهب محتوياته، والاعتداء على موظفيه وإصابة اثنين منهم، ليس مجرد انتهاك لحرية الصحافة، بل انتهاك لفكرة اليمن نفسها فكرة الدولة، وفكرة الجمهورية، وفكرة أن يكون للمواطن حق في المعرفة، وفي مساءلة السلطة، أيًّا كانت هذه السلطة ومن أي جهة أتت. لم تكن صحيفة عدن الغد يومًا منبرًا عابرًا أو نشرةً حزبية أو لسان حال قوة بعينها، بل شكّلت منذ تأسيسها واحدة من أهم النوافذ الإعلامية الحرة التي أتاحت لليمنيين شمالًا وجنوبًا، تهامة وعدن وصنعاء وتعز عرض قضاياهم أمام الرأي العام دون وصاية أو خطوط حمراء مصطنعة. وكانت القضية التهامية، بما تحمله من تاريخ طويل من التهميش والإقصاء الممنهج، واحدة من أكثر القضايا التي منحَتها الصحيفة مساحةً وشجاعة. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الجريمة أن تعطي صوتًا لمن أُريد لهم أن يظلوا بلا صوت، هذا الأمر الذي جعل الصحيفة هدفًا طبيعيًا لكل من يخشى الحقيقة ويضيق بالنقاش العلني. إن هذا الاعتداء الخطير لا يمكن فصله عن سياق تصعيد ممنهج تمارسه مختلف أطراف الصراع في اليمن ميليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، سلطات الشرعية حيثما غاب القانون، والمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في عدن وغيرها جميعهم، بدرجات متفاوتة، يشتركون في قاسم واحد العداء للإعلام المستقل، ومحاولة تكميم الأفواه، وتقويض حرية الرأي والتعبير، وتحويل الصحافة من سلطة رقابية إلى صوت خاضع أو صامت. وما يزيد خطورة هذه الجريمة أن أصابع الاتهام تشير بوضوح إلى عناصر تابعة للرئيس السابق للمجلس الانتقالي المنحل عيدروس الزبيدي، ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا كيف يمكن لقوى تدّعي تمثيل “الجنوب” أن تحارب أهم منابر الجنوب الإعلامية ؟ وكيف يمكن لمشروع سياسي أن يبني شرعيته على أنقاض الصحافة الحرة ؟ لم يعد الصراع في اليمن يدور حول الأرض أو السلطة فقط، بل أصبح وبصورة فاضحة صراعًا مع الحقيقة ذاتها. حين تُهاجم صحيفة بالقوة، فهذا يعني أن هناك من يخاف مما يُكتب أكثر مما يخاف من انهيار الدولة. وحين يُصاب صحفي لأنه يؤدي عمله، فهذا يعني أن الرأي تحوّل إلى جريمة، وأن القلم بات أخطر من السلاح في نظر أمراء الفوضى. إن ما جرى في عدن هو تعبير صارخ عن تفكك بنية الدولة وغياب سلطة القانون، وفتح الباب واسعًا أمام عسكرة الحياة العامة، وتحويل الخلافات السياسية إلى معارك ميدانية ضد مؤسسات مدنية يفترض أنها محمية بالقانون والدستور. هذه الجريمة تجسّد بوضوح الصدام العميق بين مشروعين مشروع الدولة والمدنية والحرية ومشروع الفصائل والمليشيات والإخضاع بالقوة. وهي تؤكد أن بعض القوى لا تزال ترى في الإعلام المستقل عدوًا يجب كسره، لا شريكًا وطنيًا في تصويب المسار وكشف الفساد والخيانة والانحراف. لكن التاريخ في اليمن وخارجه علّمنا حقيقة واحدة لا تتغير الرصاص لا يُسكت الحقيقة، والصحف الحرة كانت وستظل آخر حصون الوعي الوطني في مواجهة الخراب، مهما بلغت كلفة الصمود. إن جريمة الاعتداء على عدن الغد تمثل اختبارًا أخلاقيًا حاسمًا للحكومة اليمنية ومؤسساتها الأمنية والقضائية. فالمرحلة لم تعد تحتمل الصمت، ولا الاكتفاء ببيانات الشجب المعتادة، ولا دفن الجرائم تحت ركام “الظروف الأمنية”. كما أن المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية معنيّة بوضع هذه الجريمة في صدارة أولوياتها، لأنها ليست حادثة محلية معزولة، بل مؤشر خطير على تمدد القمع والإرهاب السياسي في بلد يعيش على حافة الانهيار، وستكون لهذه الحادثة بلا شك أصداء تتجاوز حدود عدن واليمن. الرسالة التي يحاول رعاة الإرهاب إيصالها واضحة إسكات الصحافة الحرة جزء من معركتهم للهيمنة. لكن الرسالة التي يبعثها هذا الاعتداء، من حيث لا يريد منفذوه، أوضح وأقوى أن المعركة من أجل الصحافة الحرة في اليمن هي جزء لا يتجزأ من معركة الدولة ضد الفوضى والإرهاب، ومن أجل الأمن والاستقرار. وبينما يحاول البعض إسكات “عدن الغد” لأنها فضحت الفساد والخيانة، فإن ما حدث لن يطفئ الصوت، بل سيضاعف إصرار اليمنيين وخصوصًا الإعلاميين الأحرار على مقاومة آلة القمع بحبرٍ أكثر جرأة، وصوتٍ أعلى من الرصاص. إننا نطالب الجهات الأمنية والقضائية المختصة عبر صحيفة عدن الغد بفتح تحقيق عاجل وشفاف في هذه الجريمة، ملاحقة الجناة ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء، اتخاذ إجراءات حقيقية لحماية الصحفيين والإعلاميين والناشطين، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات الجسيمة فحرية الكلمة، وإن نزفت اليوم في عدن، ستظل بوصلة اليمنيين نحو وطنٍ يُبنى على الحقيقة لا على الخوف، وعلى الشفافية لا على الفساد.