آخر تحديث :الأربعاء-04 فبراير 2026-10:03م

وحدة فيدرالية في شبه الجزيرة العربية: حلم اللحظة الأخيرة أم مشروع القرن؟

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 05:46 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


في زمن تتسارع فيه التكتلات الإقليمية الكبرى، من الاتحاد الأوروبي إلى التجارب الفيدرالية الراسخة كالولايات المتحدة وروسيا، يطرح سؤال مشروع نفسه: ماذا لو اتفقت دول شبه الجزيرة العربية على إقامة وحدة فيدرالية حقيقية، تقوم على توحيد العملة، والجيش، والتمثيل الخارجي، والانطلاق نحو مشروع تنموي صناعي واقتصادي وعلمي وثقافي شامل؟

دول شبه الجزيرة العربية — المملكة العربية السعودية، الجمهورية اليمنية، سلطنة عُمان، الإمارات العربية المتحدة، دولة الكويت، دولة قطر، ومملكة البحرين — تمتلك مقومات نادرة لا تتوفر مجتمعة في كثير من التكتلات الدولية: وحدة جغرافية متصلة، عمق تاريخي وثقافي مشترك، موارد طبيعية هائلة، موقع استراتيجي يتحكم بأهم الممرات البحرية في العالم، إضافة إلى طاقة بشرية شابة وطموحة.

من التنافس إلى التكامل

خلال العقود الماضية، ساد في المنطقة نمط من التنافس السياسي والاقتصادي، وأحياناً الصراعات المباشرة أو غير المباشرة. غير أن التحولات الدولية الراهنة تُظهر بوضوح أن العالم لم يعد يعترف إلا بالكيانات الكبرى القادرة على حماية مصالحها وصياغة سياساتها بعيداً عن الوصاية أو الارتهان للقوى العظمى.

الوحدة الفيدرالية — إن قامت — لن تعني إلغاء الهويات الوطنية، بل تنظيم العلاقة بينها في إطار دستوري يضمن استقلال القرار المحلي لكل دولة، مع توحيد السياسات السيادية الكبرى: الدفاع، العملة، السياسة الخارجية، والاستراتيجيات الاقتصادية العليا.

النتائج المحتملة على المدى القريب

تعزيز القوة التفاوضية الدولية: اتحاد يضم أكبر احتياطي نفطي وغازي في العالم، ويسيطر على مضيق هرمز وباب المندب، سيصبح رقماً صعباً في المعادلات الدولية، وقادراً على فرض شروطه في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

إنهاء النزاعات البينية: الإطار الفيدرالي سيحول الخلافات السياسية إلى خلافات مؤسساتية تُدار عبر برلمان اتحادي ومحكمة دستورية، بدلاً من أن تتحول إلى أزمات تهدد الأمن الإقليمي.

إعادة إعمار اليمن ضمن مشروع اتحادي: اليمن، بما يمتلكه من كثافة سكانية وموارد طبيعية وموقع استراتيجي، يمكن أن يتحول من ساحة صراع إلى رافعة إنتاجية وسوق استهلاكي ضخم داخل الاتحاد، إذا توفرت الإرادة السياسية والاستثمار العادل.

توحيد العملة: عملة اتحادية مدعومة باحتياطيات ضخمة ستمنح استقراراً مالياً غير مسبوق، وتقلل من تقلبات الأسواق، وتزيد من جاذبية المنطقة للاستثمارات العالمية.

النتائج على المدى البعيد

تحول اقتصادي من الريع إلى الصناعة: بدلاً من الاعتماد الأحادي على النفط، يمكن للاتحاد أن يؤسس لنهضة صناعية مشتركة، تقوم على التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة المتجددة، والصناعات العسكرية، والذكاء الاصطناعي.

تكامل سكاني واقتصادي: دول قليلة السكان ذات فوائض مالية يمكن أن تتكامل مع دول ذات كثافة بشرية وأسواق واسعة، بما يخلق دورة اقتصادية متكاملة تقلل البطالة وتعزز الإنتاج.

قوة دفاعية موحدة: جيش اتحادي محترف، بعقيدة دفاعية مشتركة، سيعزز أمن المنطقة ويقلل من الحاجة إلى التحالفات الخارجية المكلفة سياسياً واقتصادياً.

نهضة ثقافية وعلمية: توحيد الجهود في التعليم والبحث العلمي وإنشاء جامعات ومراكز أبحاث اتحادية سيؤسس لجيل جديد من الكفاءات القادرة على المنافسة عالمياً.

التحديات الواقعية

غير أن المشروع ليس مجرد حلم رومانسي. فهناك تحديات عميقة تتعلق بتباين الأنظمة السياسية، ومستويات التنمية، وحساسيات السيادة الوطنية، ومخاوف الهيمنة من الدولة الأكبر مساحة وسكاناً. كما أن تجارب التكتلات الدولية تُظهر أن النجاح يتطلب مؤسسات قوية، وشفافية، وعدالة في توزيع الثروة، وإرادة سياسية صلبة تتجاوز الحسابات الآنية.

الاتحاد الأوروبي نفسه احتاج عقوداً من البناء التدريجي، بدءاً من السوق المشتركة، ثم الاتحاد الجمركي، وصولاً إلى العملة الموحدة. وربما يكون النموذج التدريجي هو الأقرب للواقعية في الحالة الخليجية–اليمنية، عبر تعزيز مجلس التعاون الخليجي وتوسيعه ليشمل اليمن ضمن رؤية واضحة ومتكافئة.

هل آن الأوان؟

السؤال الأهم ليس هل الفكرة ممكنة؟ بل هل الإرادة السياسية والشعبية ناضجة لها؟

في ظل عالم يتجه نحو الاستقطاب والتكتلات، قد تكون الوحدة الفيدرالية خياراً استراتيجياً لا ترفاً فكرياً. فالكيانات الصغيرة المنقسمة تظل عرضة للضغوط، بينما الكيانات المتكاملة تملك القدرة على رسم مستقبلها.

ربما لا تكون الوحدة العربية الشاملة قريبة المنال، لكن وحدة جغرافيا واحدة متقاربة ثقافياً واقتصادياً قد تكون خطوة مرحلية واقعية نحو استنهاض جزء من الأمة العربية، وإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي.

بين الحلم والواقع مساحة إرادة.

فهل تتحول الفكرة إلى مشروع؟ أم تبقى سؤالاً مؤجلاً في زمن لا ينتظر المترددين؟