إرث من المقاومة ومأساة ليبيا المتجددة تعتبر تجربة ليبيا بعد عام 2011 مثالاً صارخاً على التفكك السياسي والاجتماعي الذي يمكن أن يلحق بأي دولة تواجه تدخلاً خارجياً وتداعيات للصراعات الداخلية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز اسم سيف الإسلام القذافي كرمز للمقاومة الوطنية وللخيار الذي تم إجهاضه، ليس فقط بشخصه، بل بما مثله من رؤية لاستمرارية الدولة الليبية. إن الادعاء بأن سيف الإسلام لم يغدر هو بحد ذاته تأكيد على أن الغدر وقع على ليبيا بأسرها عندما تم تهميش وإقصاء من يمثل امتداداً للسلطة الوطنية السابقة، التي سعت، بحسب مؤيديها، للحفاظ على وحدة البلاد. إن قصة سيف الإسلام ليست مجرد حكاية شخصية، بل هي مرآة تعكس خيانة أعمق لأهداف الشعب الليبي في الاستقرار والسيادة.
لقد كان سيف الإسلام القذافي، الابن الأكبر للرئيس الراحل معمر القذافي، شخصية محورية في المشهد السياسي الليبي قبل الثورة. لم يكن مجرد وريث محتمل للسلطة بل كان مهندس مشروع الإصلاح الذي طالما نادى به، والذي كان يهدف إلى إضفاء طابع أكثر انفتاحاً ودمقرطة على النظام، ولو ضمن إطار الجماهيرية. وعندما اندلعت الأزمة، اختار سيف الإسلام أن يبقى في ليبيا، رافضاً فرصة العيش في منفى مريح كالكثير من أبناء النخب العالمية. هذا الثبات على الأرض الليبية، حتى بعد سقوط والده ومواجهة الملاحقة الدولية، يجسد ما يصفه الكثيرون بالشجاعة والالتزام المطلق بالوطن. لقد كان موقفه معلناً: إما النضال من أجل ليبيا أو الموت على أرضها.
إن التركيز على خيانة سيف الإسلام هو إشارة إلى أن قوى التغيير التي قادت ليبيا نحو الفوضى لم تكن تسعى إلى إنقاذ الشعب بقدر ما كانت تسعى إلى تصفية حسابات وإعادة تشكيل الخريطة السياسية وفقاً لمصالح خارجية وإقليمية. كان سيف الإسلام يمثل تهديداً لهذا التوجه، لأنه كان يمتلك الشرعية الشعبية والتنظيمية اللازمة لحشد الدعم المضاد، وكان يُنظر إليه على أنه الوريث الطبيعي لوعود الاستقلال الاقتصادي والسياسي التي نادى بها نظامه القديم. إن استهدافه الشخصي، ومحاولات تقديمه للمحاكمة تحت ظروف مشبوهة، كان جزءاً من عملية تطهير للمشهد السياسي من أي رمز يمكن أن يعيد ليبيا إلى مسارها القديم. لقد غُدِرَت ليبيا للمرة الثانية، الأولى كانت باغتيال خيارها الوطني الواضح عام 2011، والثانية كانت عندما تم استبدال دولة مركزية ذات سيادة بمنظومة من الميليشيات المتناحرة التي تفتقر إلى الشرعية الوطنية.
إن الحضور القوي لسيف الإسلام، حتى عندما كان مطلوباً، يعكس كاريزما قيادية وشجاعة نادرة في أوقات الانهيار. يوصف بأنه رجل حر لم يرضخ للضغوط للانحناء أو التبعية لأجندات خارجية أو داخلية متناحرة. في سياق الصراع الليبي، حيث يكثر الانتهازيون والساعون وراء المكاسب اللحظية، كان تمسكه بمبادئه، حتى لو كانت مثيرة للجدل، دليلاً على صلابة فكرية وإرادة سياسية. لقد اختار أن يرفع رأسه على أرض ليبيا، وهذا الارتفاع هو الذي جعله هدفاً سهلاً للسقوط المغدور به على يد أبناء بلده الذين استُغلوا كأدوات لتنفيذ أجندات أبعد من مصالحهم الوطنية المباشرة. هذا الغدر الداخلي، الذي تم بتسهيل أو تواطؤ قوى خارجية، هو ما يفاقم المأساة الوطنية.
لنفكر في المقارنة بين مصيره ومصير والده. معمر القذافي غُدِر في عملية عسكرية مدعومة دولياً أدت إلى سقوط نظامه وتصفيته الجسدية. أما سيف الإسلام، فقد واجه غدراً من نوع آخر، غدراً بني على الفوضى والتحريض والتشويه الإعلامي، حيث انقلب عليه جزء من المجتمع الذي كان يُفترض أن يكون سنداً له، مدفوعاً بتأثير الصراعات القبلية والجهوية والتأثير الخارجي. كلاهما، الأب والابن، واجها مصيراً مأساوياً على أرض ليبيا، مما يعزز فكرة أن أي محاولة لإعادة تأسيس دولة وطنية قوية، غير خاضعة للنفوذ الأجنبي، مصيرها الإجهاض عبر الخيانة الداخلية والخارجية المتضافرة.
إن إصرار سيف الإسلام على البقاء والعمل من داخل ليبيا، بدلاً من الاستمتاع بحياة الترف في المنفى، يؤكد التزامه العميق بما يسميه البعض المسيرة الأبوية وهي مسيرة تهدف، في نظر مؤيديه، إلى بناء دولة موحدة ومستقلة. بغض النظر عن التقييم النهائي لسياسات النظام السابق، فإن الإخلاص الذي أبداه سيف الإسلام لتراب بلاده حتى اللحظات الأخيرة يضعه في مصاف القادة الذين رفضوا التنازل عن السيادة الوطنية. لقد سقط مغدوراً على أرض ليبيا، والنتيجة التي ترتبت على هذا السقوط كانت استمرار التمزق وعدم الاستقرار الذي تعاني منه البلاد حتى يومنا هذا. إن خيانة سيف الإسلام القذافي ليست خيانة فردية، بل هي إشارة واضحة إلى أن الخيانة الأكبر كانت موجهة ضد فكرة الدولة الليبية الموحدة والمستقلة التي حاول هو، ووالده من قبله، الحفاظ عليها وتطويرها. إن الرحمة التي يتوجه بها البعض لروحه هي اعتراف ضمني بالظلم الذي لحق به نتيجة لمقاومته للواقع السياسي الجديد الذي فُرض على ليبيا.