آخر تحديث :الثلاثاء-03 فبراير 2026-06:32م

حين تُنتهك كرامة المعلّم في المهرة يُهان الوطن

الثلاثاء - 03 فبراير 2026 - الساعة 02:53 م
أ. جاود الصهيبي

بقلم: أ. جاود الصهيبي
- ارشيف الكاتب


في بداية تظلّمي إلى الجهة المختصة، أشعر في نفسي بحسرةٍ وألمٍ وندم، وينفطر قلبي دماً على سنوات عمري التي قضيتها في مهنة التدريس، في تعليم طلابي وطالباتي بمدرسة سبأ في مديرية شحن، كنت أميناً ومخلصاً في أداء واجبي، حريصاً على القيام به على أكمل وجه، مستشعراً المسؤولية التربوية والتعليمية الملقاة على عاتقي، متحملاً الأمانة بضمير حيّ ورغبة صادقة.


لقد أدركت أن الله تعالى عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً. وبما أن الله ميّز الإنسان بالعقل، فعليه أن يتحمّل الأمانة ويؤدي مهمته كاملة غير منقوصة، لأنه محاسب أمام الله عن جميع أعماله وتصرفاته، وبالأخص في مجال التعليم، ولديّ يقينٌ لا يقبل الشك بأن مهنة التدريس مهنةٌ مقدسة عظيمة الأثر، فهي مهنة الأنبياء والرسل، كما ورد في حديث نبينا وقدوتنا ومعلمنا محمد ﷺ: «إنما بُعثتُ معلماً».


لقد تحملت مشقة السفر ومفارقة الأسرة والأهل في محافظتي تعز، وقررت الذهاب إلى محافظة المهرة لخدمة وطني، ودفع ضريبة ما تعلمته أثناء دراستي الجامعية، لأُسهم في بناء جيلٍ متسلّح بالعلم والثقافة، يتحمّل مسؤولية بناء الوطن وتطوره وازدهاره مستقبلاً.


كان يملؤني طموحٌ كبير، وإبداعٌ في الفكر والنفس، بأن أحظى بمعاملة طيبة تليق بمكانة المعلم، وأن أُعامل بالاحترام والتقدير مقابل ما أبذله من جهود كبيرة في تدريس مادتي الرياضيات والفيزياء للمرحلة الثانوية، وأن تكون للمعلم مكانة سامية بين طلابه وأفراد المجتمع.


كما قال الشاعر: قم للمعلم وفِّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولاً

أرأيتَ الذي يُنشئ العقول؟

أحقٌّ له التكريمُ والتمجيدُ؟

لكن للأسف، وجدت معاملة قاسية من قبل مسؤول أمني، حيث أمر بالقبض عليّ ووضعـي في الحجز، وسلب مني هاتفي، ودخل غرفتي دون مسوّغ قانوني، وتهجّم عليّ وفتش الغرفة، وقام برمي أدواتي وملابسي وكتبي ومراجعي العلمية إلى الخارج، دون أي سبب، رغم أنني لم أرتكب أي مخالفة أو تقصير في عملي، وطلبت منه إحالتي إلى النيابة، لكنه رفض، ثم تبيّن من خلال التحقيق أن التهمة الموجّهة إليّ هي أنني من أبناء محافظة تعز.


وهنا مربط الفرس ونقطة الانطلاق: هل بلغ الأمر ببعض أهلنا في المهرة هذا الحد من الحقد والكراهية تجاه أبناء تعز، أولئك المسالمين الطيبين الذين سلاحهم القلم والسبورة، ووقوفهم أمام طلابهم بعزة وشموخ لشرح العلوم والمعارف؟ ونؤكد ونحذّر، وللعلم، أن هذه الحالة ليست الأولى، فقد سبقتها حالات مشابهة. ونقول بوضوح: إن أي مساس أو إهانة يتعرض لها أحد أبناء تعز، في أي تخصص وفي أي مكان، لن تمر مرور الكرام.


لقد صبرنا وتحملنا ما يتعرض له أبناء تعز، سواء في الشمال بذريعة التطرف، أو في الجنوب بذريعة الانفصال، ومع ذلك ما زلنا نؤمن أننا جميعاً في سفينة واحدة، من أقصى حوث إلى باقم، شعبٌ يمنيّ واحد، وأن العصبية والمناطقية والطائفية إلى زوال.


ومهما حاول البعض من أصحاب الأمراض الاجتماعية والعقد النفسية تهميش أبناء تعز أو إقصاءهم من المسؤوليات، فلن ينالوا من تعز ولا من شبابها المناضلين. فتعز عصيّة على الكسر، وأبناؤها متواجدون في كل محافظات الجمهورية، بل في كل مديرية: الطبيب، والمهندس، والمعلم، والعامل، وصاحب المطعم، والحرفي… جميعهم يكافحون بعرق جبينهم لإعالة أسرهم، لا بالسلب والنهب أو الاستقواء على الآخرين.


وأخيراً، ومن باب الإنصاف، أطالب بإعادة هاتفي والمبلغ الذي سُرق من جيبي أثناء التفتيش، وردّ اعتباري بكلمة تُلقى أمام طلاب وطالبات المدرسة في طابور الصباح، بحضور الهيئة التدريسية وأهالي المنطقة، حتى تعود كرامتي أمام زملائي وطلابي، ولكي لا يتكرر هذا الموقف مع أي معلم آخر.


وأحب أن أذكّر أصحاب العقول الواعية بأن حضارة الأمم تُبنى بسواعد المعلمين، وأن مستقبل الشعوب يتطور بجهودهم. ومن الواجب أن نضمن للمعلم حياة كريمة ومستوى معيشة لائقاً، ليتمكن من العطاء والبحث وتطوير العملية التعليمية، دون أن يتعرض للإهانة أو السجن أو التعذيب.


وأختم بتلك الحكمة العميقة: «إذا أردتَ هدم حضارة، فاسخر من المعلم، واستهزئ بالطبيب، وهمّش القدوة، واصنع النجومية للتافهين»، فبتطبيق هذه السياسة، يسود الجهل، وينهار المجتمع، وتضيع القيم والمبادئ.


وإذا أردنا تحصين مجتمعنا، فعلى الحكومة والجهات المختصة أن تولي المعلم اهتماماً خاصاً، وتمنحه كامل حقوقه، إيماناً بدوره في تطوير المجتمع ورفع مستوى التنمية، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يرفعِ اللهُ الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.