قَالَتِ العَرَبُ قَدِيمًا: "لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الإِبِلِ إِلَّا أَنَّهَا رَقُوءُ الدَّمِ " أَيْ لَكَفَاهَا ذَلِكَ فَضْلًا... أَيْ إِنَّهَا تُعْطَى فِي الدِّيَاتِ بَدَلًا مِنْ النُّقُودِ فَتَحْقِنُ بِهَا الدِّمَاءُ...
- وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا طَالَ أَمَدُ الحُرُوبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، قَامَ العُقَلَاءُ وَكِبَارُ القَوْمِ، بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَحْكِيمِ العَقْلِ، وَعَنْ طَرِيقِ الحِوَارِ تَوَصَّلُوا إِلَى صُلْحٍ عَامٍ بَيْنَ القَبَائِلِ المُتَنَاحِرَةِ، فَتَمَّ حَصْرُ عَدَدِ القَتْلَى طِوَالَ سَنَوَاتِ الحَرْبِ، ثُمَّ قَامُوا بِدَفع الدِّيَاتِ، وَحَقَنُوا بِذَلِكَ الدِّمَاءَ الَّتِي مَا كَانَ لَهَا أَنْ تَحْقِنَ إِلَّا بِالحِوَارِ وَتَحْكِيمِ صَوْتِ العَقْلِ بَيْنَ الفِرْقَاءِ..
- كَانَ ذَلِكَ حَالَ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ بِنَا اليَوْمَ وَنَحْنُ عَلَى دِينِ الإِسْلَامِ لَا نَقْرَأُ إِلَّا المَنْشُورَاتِ المَنْطَقِيَّةِ، وَالجَاهِلِيَّةِ، الَّتِي يُنَادِي أَصْحَابُهَا إِلَى التَّفْرِقَةِ وَالفِتْنَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الوَطَنِ الوَاحِدِ، وَرُبَّمَا المُحَافَظَةِ الوَاحِدَةِ، وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّنْمِيَةِ، وَهَلْ هَذِهِ هِيَ العَدَالَةُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي حَشَدَ النَّاسَ لِلْخُرُوجِ مِنْ أَجْلِهَا وَالمُطَالَبَةِ بِهَا وَهَلْ مِنْ العَقْلِ أَنْ تَخْرُجَ النَّاسُ لِلْمُطَالَبَةِ بِإِسْقَاطِ النِّظَامِ، وَلَيْسَ بِتَغْيِيرِهِ.
- لَوْ عُدْنَا لِلْوَرَاءِ لَوَجَدْنَا هَذِهِ الأَوْطَانَ الَّتِي رَسَمَ الأَعْدَاءُ لَنَا حُدُودَهَا، مَا هِيَ إِلَّا حُدُودٌ مُصْطَنَعَةٌ، وَمَا زَالَ البَعْضُ يُطَالِبُ بِتَفْتِيتِ المُفَتَّتِ، وَتَقْسِيمِ المُقَسَّمِ، تَحْتَ مَسْمِيَاتٍ...
مَنْطَقِيَّةٍ، وَمَذْهَبِيَّةٍ، وَشِعَارَاتٍ مُسْتَوْرَدَةٍ، عَنْ العَدْلِ وَالمُسَاوَاةِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، وَالعَدَالَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالحُرِِّيَّةِ...
- فِي حِينِ جَعَلُوا مِنْ أُورُوبَا دَوْلَةً مُوَحَّدَةَ الهُوِيَّةِ وَالعُمْلَةِ، يَحْتَكِمُ الجَمِيعُ فِيهَا لِلْقَانُونِ، رَغْمَ تَعَدُّدِ الثَّقَافَاتِ وَاللُّغَاتِ وَالدِّينَاتِ.
- يُرَدِّدُ البَعْضُ دَائِمًا مَقُولَةَ(أَنْتُمْ مَعَ القَطِيعِ) كُلَّمَا ارْتَفَعَ صَوْتٌ يُنَادِي بِالحِوَارِ وَعِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ النُّخَبِ عَنْ التَّرِيِّثِ وَالحِكْمَةِ فِي الخِطَابِ مَعَ الآخَرِ، عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ عَمَلِيَّةَ التَّغْيِيرِ تَحْتَاجُ إِلَى جُهُودٍ جَبَّارَةٍ فِي إِصْلَاحِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ عَلَى أُسُسٍ ثَابِتَةٍ وَسَلِيمَةٍ تُسْهِمُ فِي بِنَاءِ جِيلٍ مُوَحَّدِ الفِكْرِ وَالهُوِيَّةِ وَالعَقِيدَةِ مُتَسَلِّحٍ بِالعِلْمِ وَالْوَطَنِيَّةِ...
- وَقَدْ دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ كَاتِبَةٍ عَرَبِيَّةٍ حِوَارٌ حَوْلَ مَا يَجْرِي فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ وَكَانَتْ تُنَادِي بِالثَّوْرَةِ وَتَغْيِيرِ النِّظَامِ...
- قُلْتُ لَهَا: إِلامَ تَرْمي مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ المَنْشُورَاتِ، أَلَا يَكْفِي مَا حَدَثَ لَنَا وَلِكَثِيرٍ مِنْ الأَقْطَارِ العَرَبِيَّةِ مِنْ خَرَابٍ وَدَمَارٍ وَقَتْلٍ وَتَشْرِيدٍ، وَالجَمِيعُ يَعْلَمُ أَنَّ تَكْرَارَ نَفْسِ الأَدَوَاتِ وَالشِّعَارَاتِ، يَقُودُ إِلَى نَفْسِ النَّتِيجَةِ وَهِيَ: غِيَابُ الدَّوْلَةِ، قَتْلُ الأَبْرِيَاءِ، وَتَهْجِيرُ النَّاسِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ، وَانْهِيَارُ العُمْلَةِ، وَانْتِشَارُ الفَوْضَى وَالبَلْطَجَةِ، وَالتَّقَطُّعِ وَالحِرَابَةِ، وَإِذْلَالُ النَّاسِ، وَهَتْكُ الأَعْرَاضِ...
- وَلَكِنَّهَا لِلْأَسَفِ قَالَتْ: لَا أَتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ هَذَا الكَلَامُ مِنْ شَاعِرٍ وَأَدِيبٍ عَرَبِيٍّ مِثْلِ مُحَمَّدِ الجعْمِيِّ، وَلَا أَتَصَوَّرُ أَنْ تَنْحَازَ لِثَقَافَةِ القَطِيعِ وَالْخَوْفِ عَلَى فَقْدِ الكَهْرَبَاءِ وَالْغَازِ وَالْخِدْمَاتِ فِي حِينِ ضَاعَتْ هَيْبَةُ الأُمَّةِ الَّتِي تَتَغَزَّلُ أَنْتَ بِأَمْجَادِهَا فِي قَصَائِدِكَ، نَحْنُ نَنْشُدُ الحُرِِّيَةَ وَالعَدْلَ وَالمُسَاوَاةَ لِذَا نُطَالِبُ بِإِسْقَاطِ النِّظَامِ المُسْتَبِدِّ...
- هِيَ نَفْسُهَا وَبَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ تَعَرَّضَتْ لِعَمَلِيَّةِ تَقَطُّعٍ فِي عَاصِمَةِ البِلَادِ الَّتِي كَانَتْ تَنْعَمُ فِيهَا بِالْعَيْشِ الكَرِيمِ، وَلَوْ فِي حُدُودٍ مُعَيَّنَةٍ كَتَبَتْ مِنْشُورًا تَقُولُ فِيهِ سَلَامُ اللَّهِ عَلَى عَهْدِ... وَذَكَرَتْ رَئِيسَ دَوْلَتِهَا الَّذِي كَانَتْ تَصِفُهُ بِالدِّكْتَاتُورِ المُسْتَبِدِّ وَالطَّاغِيَةِ الَّذِي عَطَّلَ مَسِيرَةَ التَّنْمِيَةِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ..
- لَا أَدَافِعُ عَنْ أَنْظِمَةِ الفَسَادِ، وَلَسْتُ مِمَّنْ يَمْتَدَحُ الحُكَّامَ، وَلَا تَرُوْقُ لِي النُّخَبُ الفَاسِدَةُ، فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ أَكَانَتْ فِي الحُكْمِ، أَوْ فِي المُعَارَضَةِ، وَلَكِنِّي أَرَى المُعَارَضَةَ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ قَدْ انْجَرَّتْ، وَرَاءَ شِعَارَاتٍ بَرَّاقَةٍ، وَلَمْ تَمْتَلِكِ البَدَائِلَ المُنَاسِبَةَ لِلتَّغْيِيرِ الَّذِي تَنَادِي بِهِ، وَلَكِنَّهَا سَارَتْ بِالشُّعُوبِ نَحْوَ المَجْهُولِ ثُمَّ تَرَكَتِ الأَوْطَانَ لِلْحُرُوبِ وَالْخَرَابِ وَالفِتَنِ الَّتِي عَصَفَتْ بِمَقْدِرَاتِ الأُمَّةِ وَمَزَّقَتِ السِّلْمَ الاِجْتِمَاعِيَّ وَالْوَعْيَ الوَطَنِيَّ فَانْهَارَتْ مِنْظُومَةُ الأَخْلَاقِ العَامَّةِ وَانْتَشَرَتْ أَلْعَابُ السَّلْبِ وَالنَّهْبِ وَالحِرَابَةِ فِي مُدُنٍ وَحَوَاضِرِ عَرَبِيَّةٍ، تَدَهْوَرَتْ فِيهَا الْخِدْمَاتُ، حَتَّى عَادَ النَّاسُ فِي كَثِيرٍ مِنْ البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ لِاسْتِخْدَامِ وَسَائِلَ بَدَائِيَّةٍ كَالْحَمِيرِ فِي نَقْلِ المَاءِ إِلَى البُيُوتِ، وَالحَطَبِ كَبَدِيلٍ لِلْغَازِ المَنْزِلِيِّ وَالفَوَانِيسِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاقَةِ البَدِيلَةِ، وَتَدَهْوَرَتِ الْخِدْمَاتُ الطِّبِيَّةُ وَالتَّعْلِيمِيَّةُ، وَاسْتَفْحَلَ الجَهْلُ وَالدَّعَوَاتُ الطَّائِفِيَّةُ، وَالمَنْطَقِيَّةُ وَالجَاهِلِيَّةُ، وَالنَّعَرَاتُ القَبَلِيَّةُ، فِي المُدُنِ الَّتِي كَانَتْ مَنَارَةً
لِلْعِلْمِ وَالْمَدَنِيَّةِ، الَّتِي عَرَفَتِ الكَهْرَبَاءَ وَالتِّيلِفِزْيُونَ، وَالسِّينِمَا وَالْمَسْرَحَ، وَالنِّقَابَاتِ وَالصِّحَافَةَ وَالأَنْدِيَةَ الثَّقَافِيَّةَ وَالرِّيَاضِيَّةَ، وَالْبُنُوكَ وَالْجَامِعَاتِ، وَوَسَائِلَ النَّقْلِ الحَدِيثَةَ، وَالطُّرُقَ وَالجُسُورَ وَكُلَّ مَقْدِرَاتِ الأُمَّةِ الَّتِي تَمَّ تَدْمِيرُهَا..
وَكَانَ السُّؤَالُ مَتَى يَتَوَقَّفُ هَذَا النَّزِيفُ الَّذِي تَجَاوَزَ حُدُودَ العَقْلِ؟ وَهَلْ هَذَا هُوَ سَبِيلٌ لِجَمْعِ الشَّمْلِ وَتَوْحِيدِ الكَلِمَةِ وَلَا يَسْتَنِدُ عَلَى الحِوَارِ كَثَقَافَةٍ أَصِيلَةٍ، وَمَتَى يَعُودُ النَّازِحُونَ مِنْ الشِّتَاتِ إِلَى أَوْطَانِهِمُ المُدْمَرَةِ؟ وَيَصُونُ الحُكَّامُ شُعُوبَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ مِنْ الاِنْزِلَاقِ فِي مُتَاهَاتِ الفَوْضَى وَالتَّطَرُّفِ، وَمَتَى يَشْعُرُ الحُكَّامُ وَالنُّخَبُ المُعَارِضَةُ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ، بِحُرْمَةِ الدِّمَاءِ، وَتَحْكِيمِ العَقْلِ، وَصَوْنِ مَصَالِحِ النَّاسِ، بِنَشْرِ ثَقَافَةِ التَّسَامُحِ وَالْمَحَبَّةِ وَالقِيَمِ النَّبِيلَةِ الَّتِي اشْتَهَرَ بِهَا العَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَحَثَّ عَلَيْهَا دِينُنَا وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ، وَالسَنَتَكُمْ وَأَقْلَامَكُمْ عَنْ أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ، وَلَا تَجْعَلُوا مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَسِيلَةً لِخَرَابِ الأَوْطَانِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَهَدْمِ البُيُوتِ وَالأُسْرِ، وَتَدْمِيرِ الأَخْلَاقِ، وَنَشْرِ الرَّذِيلَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ وَبَنَاتِ المُسْلِمِينَ.
يَقُولُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَدْرَكْنَا السَّلَفَ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ العِبَادَةَ فِي الصَّوْمِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَكِنْ فِي الكَفِّ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ".
أَلَا هَلْ بَلَّغْت، اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ.