يمكنك أن تلتقط صورةً للذكرى أمام تراكمات الذاكرة العدنية، ذلك الأرشيف العريق لمدينةٍ لا تُشبه سواها، مدينةٍ كُتبت بالحكمة قبل الحبر، وبالجمال قبل الوصف. عدن… حيث تتعدد الوجوه كما تتعدد القصائد، ويختلف حضورها كما تختلف أمواج بحرها، مدينةٌ وُلدت لتكون مختلفة، ومصرة على أن تبقى كذلك.
لم تكن عدن يومًا مجرد توصيفٍ جغرافي، ولا محطةً عابرة في كتب التاريخ؛ بل كانت — ولا تزال — روحًا نابضة. مدينةٌ تسكن الفؤاد قبل المكان، وتستقر في الوجدان قبل الذاكرة. نبتةٌ عربيةٌ ضاربة في العمق، سرعان ما نمت حتى غدت شجرةً تاريخية، أصلها ثابت في الأرض، وفرعها مشرعٌ على العالم.
عدن ليست قالبًا واحدًا ولا صورةً نمطية؛ بل هي كوكتيل حضاري، وكشكول إبداعي، وفسيفساء إنسانية مفتوحة على كل الأزمنة. لم تُحبس يومًا في إطارٍ تقليدي، ولم تخلُ من التراكيب المدهشة حتى في أشد مراحلها قسوة، إذ ظل الإبداع يتسلل من بين الركام، كنسمة بحرٍ تعرف طريقها إلى الروح.
ومن هنا، من قلب هذه المدينة التي تعرف أبناءها كما يعرفونها، يتسلل التفاؤل كرسالة صادقة. نحن متفائلون بك خيرًا، يا مهندس عدنان الكاف، وكيل محافظة عدن؛ نعرفك منذ عام 2009، ونعرف ثبات مواقفك وكثرتها، ونعرف أن عدن لا تمنح ثقتها إلا لمن يشبهها. نرجو أن تبقى كما عرفناك، وألا تتغير كما تغيّر من سبقوك، فأنت من أبناء هذه المدينة، وأدرى بتفاصيلها، وأقرب إلى نبضها، وأكثر قدرة على أن تصون وجهها الباهي ومع المحافظ الجديد عبد الرحمن شيخ .
وعدن — في نظري ونظر مدوّني التاريخ الحديث — هي ذاك الباهي الجبين، الذي يزداد تألقًا ولمعانًا كلما مرّت به سنوات العطاء. عطاءٌ يتدفّق كسيلٍ تاريخي جارف، لا يحدّه بحر صيرة، ولا يوقفه شط الغدير. مدينةٌ كلما أثقلها الزمن، ازدادت خفةً في الذاكرة، وكلما حاولوا إطفاءها، اشتعلت جمالًا وحياة.
ولا غرابة في هذا الوصف؛ فالكلام حين يخرج من القلب، يصل إلى القلب. هكذا تُرى عدن: دقيقةً في حضورها، رشيقةً في تفاصيلها، بسيطةً في ملامسة الوجدان، تدغدغ أذن العاشق قبل أن تُدهش العين… مدينةٌ اسمها عدن، ووجهها باهي الجبين.