آخر تحديث :السبت-31 يناير 2026-07:11ص

المليونية الخضراء: تحوّل في الوعي وكسر لاحتكار الشارع

الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 10:21 م
عبدالعزيز الحمزة

بقلم: عبدالعزيز الحمزة
- ارشيف الكاتب


إن ما شهدته المحافظات الجنوبية والشرقية المحررة خلال الأسابيع القليلة الماضية، ليس مجرّد مشهد سياسي عابر، بل تحول سياسي واجتماعي كثيف الدلالة، يعكس انتقال الشارع من حالة الاصطفاف القسري إلى فضاء الإرادة الحرة، ومن منطق الوصاية إلى منطق الدولة.

وجاءت تظاهرة اليوم في عدن، مليونية نصرة المظلوم التي دعت إليها قبائل الصبيحة، احتجاجًا على محاولة اغتيال العميد حمدي شكري، قائد الفرقة الثانية عمالقة، ومقتل وإصابة عدد من مرافقيه، لتؤكد أن الدم اليمني خط أحمر، وأن استهداف القيادات العسكرية والأمنية ليس شأناً فئوياً، بل اعتداءٌ على السلم العام وهيبة الدولة.

وقد تجاوزت هذه المليونية إطارها المناطقي، حين تداعت لها قبائل من لحج وأبين، وتحركت عدن بفاعلية لافتة، في صورة نادرة من التلاحم الشعبي الصادق.

هذه المليونية، التي اتخذت اللون الأخضر رمزًا لها، لم تكن استعراض عدد، بل استعادة معنى؛ معنى المظلومية العادلة، ومعنى التضامن الوطني، ومعنى أن الجنوب والشرق ليسا كتلة صمّاء بيد مشروع واحد، بل فضاء وطني حيّ، متنوع، وواعٍ بمصالحه العليا.

وقد حملت هذه التظاهرة عدة رسائل مهمة:

أولاً: رسالة الأمن ورفض الإرهاب

أبرز ما حملته هذه المليونية هو الرفض القاطع لأي عمل إرهابي يستهدف الشخصيات الوطنية أو القيادات العسكرية والأمنية. لقد أعلن الشارع، بوضوح لا لبس فيه، أن الأمن قيمة جامعة، وأن الفوضى ليست خيارًا، وأن تصفية الحسابات بالسلاح خروج على الإجماع الوطني.

ثانيًا: كسر احتكار الشارع

للمرة الأولى منذ سنوات، يُكسر عمليًا ادعاء احتكار التمثيل الشعبي في الجنوب. هذه المليونية سحبت البساط من تحت خطاب الوصاية، وأثبتت أن الشارع الجنوبي والشرقي يقف مع الأمن والاستقرار، ومع الدولة الواحدة، والجيش الواحد، والأمن الواحد، لا مع المليشيا ولا مع مشاريع التفكيك.

ثالثًا: التماسك الشعبي خلف القيادة الشرعية

قدّمت المليونية نموذجًا متقدمًا في التعاضد الشعبي الواعي، وأرسلت رسالة دعم واضحة للإجراءات التي يتخذها مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الرئيس رشاد العليمي، مفادها أن الشعب شريك في معركة الاستقرار، وأن الدولة حين تخطو خطوة جادة، تجد الشارع خلفها لا أمامها.

رابعًا: الوفاء بالوفاء

لا يمكن فصل هذا الحراك عن التحسّن الملموس في الخدمات والأمن وصرف المرتبات خلال الأسابيع الماضية، وهو تحسّن لمسه المواطن مباشرة، فترجمه وفاءً سياسيًا وأخلاقيًا تجاه الدور المحوري للمملكة العربية السعودية.

تحوّلت ساحة التظاهر إلى مساحة خضراء تزهو بأعلام المملكة العربية السعودية، في رسالة واعية لا انفعالية، تؤكد عمق العلاقة اليمنية السعودية، وتضع المملكة في موقعها الطبيعي كقائدة للاستقرار في الجزيرة العربية، وركيزة للأمن الإقليمي والعربي والإسلامي.

خامسًا: ما بعد المليونية، والبعد الاعمق

المليونية الخضراء لم تكن نهاية مشهد، بل بداية مسار. مسار يقول إن الشعب حين يرى نتائج ملموسة، يتوحّد، وحين تتكامل جهود الدولة مع المجتمع، يتراجع خطاب الفوضى، وتنكسر أدوات التخريب، مهما تلونت شعاراتها.

إن هذا التماسك الشعبي، إذا ما حُسن استثماره سياسيًا وأمنيًا، يمكن أن يكون رافعة حقيقية لمعركة التحرير الكبرى، و هزيمة الانقلاب الحوثي، واستعادة صنعاء، وإنهاء كل مشاريع العمالة والانقسام.


ان المليونية الخضراء ليست حدثًا عاطفيًا، بل مؤشر تحوّل في الوعي السياسي للمحافظات المحررة، ورسالة واضحة بأن اليمنيين، حين تُفتح لهم نافذة أمل حقيقية، يصنعون الإجماع، ويحرسون الدولة، ويكتبون مستقبلهم بأيديهم.


✍️ عبدالعزيز الحمزة

الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦م