آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-06:38ص

أبوظبي ودبلوماسية السير نحو الهاوية

الخميس - 29 يناير 2026 - الساعة 09:47 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في الخامس والعشرين والسابع والعشرين من مارس 2022 عُقدت قمة جمعت وزراء خارجية مصر والمغرب والبحرين والكيان الإسرائيلي، إضافة إلى وزير الخارجية الأمريكي. في ذلك المؤتمر الصحفي خرج عبدالله بن زايد منتشيًا، محاولًا أن يتحدث بلغة “الحاذق” الذي يزعم امتلاك الحقيقة بعد عقود من “الضلال”، معتبرًا أن 43 عامًا قد أُهدرت لأن المنطقة كانت “ضحية فهم خاطئ” و”سردية لا تعبّر عن الحقيقة”، وأنهم اليوم بصدد بناء سردية جديدة، على حد زعمه، تعكس “الحقيقة”.


لكن أكثر ما كان فاضحًا في هذا الخطاب، ليس ادعاء امتلاك الحقيقة، بل الغياب الكامل لفلسطين.

لم يذكر الوزير الإماراتي الشعب الفلسطيني، ولا الاحتلال، ولا الأرض، ولا المقدسات، ولا حتى كلمة عابرة عن جوهر الصراع. كان ذلك خروجًا غير مسبوق حتى عن الأعراف الدبلوماسية التقليدية، التي تحرص – ولو شكليًا – على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في أي حديث عن “السلام” أو “الاستقرار” في المنطقة.


أتذكر أنني كنت أتابع الكلمة مباشرة، وقد أصبت بالذهول من سذاجة هذا الخطاب وخطورته في آن واحد. وقلت لمن حولي حينها إن هذه اللغة لن تمر دون ثمن، وإنها ستقود إلى نتائج كارثية على المنطقة. لأن تجاهل أصل الصراع لا يلغيه، بل يؤجله حتى ينفجر. وما حدث في السابع من أكتوبر 2023، في عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حماس ضد المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بغزة، لم يكن حدثًا مفاجئًا لمن فهم أن محو فلسطين من الخطاب السياسي لا يصنع سلامًا، بل يراكم الغضب حتى يبلغ لحظة الانفجار.


الأكثر دلالة أن الدبلوماسية الأمريكية نفسها لم تكن سعيدة بذلك الخطاب. ورغم انحياز واشنطن التاريخي لإسرائيل، إلا أنها اعتادت الإبقاء على حد أدنى من التوازن اللفظي: حديث عن “حل الدولتين”، و”الحقوق الفلسطينية”، و”التهدئة”، و”الاستقرار”. ليس بدافع أخلاقي، بل لأنها تدرك بحسابات أمنية بحتة أن شطب القضية الفلسطينية بالكامل من المعادلة يهدد استقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام انفجارات لا يمكن التحكم بها. ولذلك رأت الدوائر السياسية الأمريكية أن السلوك السياسي الإماراتي المبني على هذا الخطاب لن يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة العربية، بل سيقود إلى نتائج عكسية خطيرة.


وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه:

بعد كل ما شهدته المنطقة من كوارث، لماذا تصر أبوظبي على السير نحو هذه الهاوية الأخلاقية؟

ولماذا تمضي بهذا الإصرار نحو ما يشبه الانتحار السياسي؟

وما هي المكاسب التي تراهن على تحقيقها مقابل هذا الثمن الباهظ، الذي يكاد يحولها اليوم إلى دولة منبوذة في محيطها العربي، وفي طريق مفتوح نحو عزلة دولية أخلاقية وسياسية؟


هل تظن أبوظبي أن امتلاك المال يعفيها من المساءلة الأخلاقية أمام شعوب المنطقة والعالم؟

إن كان هذا هو الرهان، فهو رهان واهٍ.

فالمال قد يشتري النفوذ، لكنه لا يشتري الشرعية.

وقد يشتري الصمت المؤقت، لكنه لا يمحو الذاكرة.

وقد يصنع تحالفات، لكنه لا يصنع احترامًا.


بل إن أبوظبي ذهبت إلى أبعد من مجرد الموقف من فلسطين، حين استغلت أزمات المنطقة العربية لتفرض نفسها كفاعل سياسي، لا بوصفه عامل استقرار، بل كطرف لم يجلب للمنطقة سوى مزيد من الفوضى وتعميق الانقسامات. لقد تعاملت مع أزمات الشعوب لا باعتبارها مآسي إنسانية تستوجب الاحتواء والحل، بل باعتبارها فرصًا استراتيجية لتوسيع النفوذ وتكريس الدور.


في اليمن، أسهم هذا السلوك في:


تعميق الانقسام السياسي والجغرافي،


إضعاف الدولة،


دعم قوى خارج إطار الشرعية،


وتحويل الصراع من أزمة وطنية إلى شبكة صراعات متداخلة.



وفي السودان، يتكرر المشهد بصورة أكثر فداحة:


حرب مفتوحة،


مدن تحترق،


ملايين المدنيين بين القتل والنزوح والجوع،


ودور إقليمي لا يسعى لإطفاء النار، بل لإدارة اشتعالها بما يخدم حسابات النفوذ.



وهنا لا يعود الحديث عن خلافات سياسية أو تباين مصالح، بل عن مساس مباشر بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان. حين تتحول دماء الشعوب إلى أوراق ضغط، وحين تصبح معاناة المدنيين تفصيلًا ثانويًا في لعبة النفوذ، فإننا نكون أمام انحدار أخلاقي صريح لا يمكن تغليفه بأي لغة دبلوماسية.


من فلسطين، إلى اليمن، إلى السودان، خيط واحد يجمع كل ذلك:

سياسة لا ترى الإنسان، بل ترى الخرائط.

ولا ترى العدالة، بل ترى الصفقات.

ولا ترى الكرامة، بل ترى النفوذ.


وهنا تكمن خطورة المسار الذي اختارته أبوظبي.

فهي لا تخاطر فقط بمكانتها السياسية، بل بسمعتها الأخلاقية في الوعي العربي.

والدول قد تتجاوز أزمات سياسية، لكنها نادرًا ما تتجاوز سقوطها الأخلاقي.