آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-06:38ص

تحديات اليمن الداخلية والخارجية وآفاق الحل السياسي

الخميس - 29 يناير 2026 - الساعة 09:34 م
فهمي باضاوي

بقلم: فهمي باضاوي
- ارشيف الكاتب


تواجه اليمن واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخها الحديث، نتيجة تداخل العوامل الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية. وقد أدت هذه التعقيدات إلى إطالة أمد الصراع، وفرضت واقعًا سياسيًا وأمنيًا هشًا انعكس سلبًا على الدولة والمجتمع معًا. وتتمثل أبرز هذه التحديات في الانقلاب الحوثي على الشرعية الدستورية، والقضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية وحقوقية لم تُعالج جذورها بصورة عادلة.

يُعدّ الانقلاب الحوثي على مؤسسات الدولة الشرعية نقطة التحول الأخطر في مسار الأزمة اليمنية، إذ أسهم في تفكيك بنية الدولة، وخلق واقعًا سياسيًا قائمًا على فرض الأمر الواقع بالقوة. كما كشف هذا الانقلاب عن طبيعة المشروع الحوثي القائم على أسس طائفية وسلالية تتناقض مع مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، فضلًا عن ارتباطه بالمشروع الإيراني في المنطقة، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر للأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وفي هذا السياق، جاء تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية استجابة لطلب الشرعية اليمنية، وحرصًا على حماية الأمن القومي العربي، ومنع تحوّل اليمن إلى منصة تهديد إقليمي. وقد سعى التحالف إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، رغم ما واجهه من تحديات عسكرية وسياسية وإنسانية فرضتها طبيعة الصراع وتعقيدات المشهد اليمني.

إلى جانب ذلك، تبرز القضية الجنوبية كإحدى القضايا المحورية التي لا يمكن تجاهلها في أي تسوية سياسية شاملة. فقد أقرّ مؤتمر الحوار الوطني الشامل بأنها قضية سياسية بامتياز، تتطلب معالجة عادلة لجذورها التاريخية والسياسية. وكانت النقاط العشرون التي أعدّتها اللجنة الفنية التحضيرية للحوار الوطني خطوة مهمة لبناء الثقة وتهيئة الأجواء لحوار وطني شامل، إلا أن تعثر تنفيذها أسهم في تعقيد المشهد وزيادة الاحتقان.

إن تجاوز أزمتي الانقلاب الحوثي والقضية الجنوبية لا يمكن أن يتم إلا عبر حوار سياسي جاد، برعاية عربية وضمانات دولية، يشارك فيه جميع الأطراف اليمنية دون إقصاء. ويشترط لنجاح هذا الحوار تخلي جماعة الحوثي عن مشروعها الطائفي السلالي، وقبولها بمبدأ الشراكة الوطنية، وإعادة السلاح إلى يد الدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة.

كما يتطلب الحل الشامل معالجة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية، نشأت في سياق صراعات داخلية وظروف تاريخية معقدة، مع إعادة صياغة عقد الشراكة الوطنية على أسس عادلة تضمن الحقوق السياسية والاقتصادية، وتحفظ لليمن سيادته ووحدته وكرامة شعبه.

ولا يمكن فصل الحلول الداخلية عن تعقيدات الصراع الإقليمي والدولي، إذ ترتبط الأزمة اليمنية بمصالح اقتصادية وجيوسياسية متعددة، أبرزها أمن البحر الأحمر وباب المندب. ومن هنا، تبرز أهمية احترام مبدأ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وبناء علاقات متوازنة مع الدول الشقيقة والصديقة.

إن مستقبل اليمن سيظل رهينًا بقدرة القوى السياسية اليمنية على الانتقال من منطق الصراع وإدارة الأزمات إلى منطق التسوية وبناء الدولة. فاستمرار الانقلاب الحوثي، وتعقّد القضية الجنوبية دون حلول عادلة، يعنيان بقاء اليمن في دائرة الاستنزاف السياسي والاقتصادي والأمني، مع ما يحمله ذلك من مخاطر متزايدة على الأمن الإقليمي والدولي.

وفي المقابل، تفتح التحولات الإقليمية والدولية نافذة فرصة حقيقية لإعادة إحياء المسار السياسي، شريطة وجود إرادة وطنية جامعة، ورعاية عربية فاعلة، وضمانات دولية تضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. كما أن نجاح أي تسوية مستقبلية لن يقاس بتوقيع الاتفاقات، بل بقدرتها على استعادة الدولة، واحتكارها للسلاح، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، ومعالجة جذور المظالم التاريخية.

إن السلام المستدام في اليمن لن يتحقق إلا عبر مشروع وطني جامع، يتجاوز الاصطفافات الضيقة، ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية تعكس تنوع المجتمع اليمني، وتحفظ سيادة الدولة وقرارها المستقل. وعندها فقط، يمكن لليمن أن يتحول من ساحة صراع إقليمي إلى ركيزة استقرار، وعنصر توازن في محيطه العربي والإقليمي.


لم يعد أمام النخب السياسية اليمنية ترف الوقت ولا مساحة للمناورة أو إدارة الأزمة بدلًا من حلّها. فاستمرار الانقسام، وتغليب المصالح الفئوية، والتعاطي مع القضايا الوطنية بعقلية التكتيك المؤقت، يضع اليمن أمام خطر التفكك طويل الأمد، ويحوّل معاناة الشعب إلى وقود لصراعات لا تخدم إلا المشاريع الخارجية.

إن أي نخب سياسية لا تملك الشجاعة للاعتراف بجذور الأزمة، ولا الإرادة لاتخاذ قرارات تاريخية مؤلمة ولكن ضرورية، تتحمّل مسؤولية مباشرة عن إطالة أمد الحرب. فالتسوية السياسية لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية، تبدأ بإنهاء الانقلاب الحوثي دون تسويات رمادية، ورفض أي مشروع طائفي أو سلالي خارج إطار الدولة، مع معالجة عادلة وشاملة للقضية الجنوبية بوصفها استحقاقًا سياسيًا لا يقبل التأجيل.

رسالة نوجهها إلى النخب السياسية والعسكرية

لا دولة مع السلاح خارجها، ولا وحدة دون عدالة، ولا شرعية بلا التزام فعلي بإرادة الشعب. كما أن الرهان على الخارج دون بناء توافق وطني حقيقي هو رهان خاسر، مهما تعددت التحالفات وتغيّرت موازين القوى.

اليوم، يقف اليمن أمام لحظة فاصلة: إما دولة جامعة تستعيد سيادتها وقرارها، أو استمرار الفوضى بكل كلفها الإنسانية والسياسية. والتاريخ لن يرحم من أضاع هذه اللحظة، كما أن الأجيال القادمة ستُحمّل المسؤولية لمن امتلك القرار واختار التردد بدل الحسم


ختامًا، يظل السلام في اليمن ممكنًا، لكنه مرهون بإرادة سياسية صادقة، وتغليب مصلحة الوطن على المشاريع الضيقة، ودعم إقليمي ودولي جاد لمسار الحل السياسي. فاليمن لا يحتاج إلى حلول مؤقتة، بل إلى تسوية تاريخية تعيد للدولة حضورها، وللمجتمع استقراره، وللمنطقة أمنها