ليست الرجولة لقباً يمنح ولا صفة تُعلق على الأكتاف بل هي امتحان دائم تكشفه المواقف ولذلك حين تضيق الطرق وتشتد العواصف لا يبقى في الواجهة إلا من ثبت حين تراجع غيره وحضرموت من هذا المنطلق أرض عرفت الحكمة قبل أن تكتب ولهذا فهي لا تنجب رجالها من فراغ إذ إن رجالها لم تصنعهم الميكروفونات ولا دفعتهم المنصات وإنما شكلتهم المواقف الصعبة والاختيارات المكلفة والقدرة على قول لا حين كان الصمت أسهل وبناءً على ذلك وفي المنعطفات الحرجة التي مرّت بها حضرموت لم يكن الرهان يوماً على شعارات عالية بقدر ما كان على رجال يعرفون وزن الكلمة ويحسبون أثر الفعل ويقدمون مصلحة الأرض والناس على كل اعتبار آخر كما أنهم لم يبحثوا عن ضوء مسلّط ولم ينتظروا مكافأة لكنهم في المقابل أدركوا أن الوقوف في المكان الصحيح هو المكسب الحقيقي ومن هنا عرفت حضرموت رجالها حين اختلطت الأوراق وحين حاول البعض جرها إلى صراعات لا تشبهها فكان موقفهم واضحاً لا لبس فيه وهو أن حضرموت أولًا وأهلها قبل أي حسابات وأن أمنها واستقرارها خط أحمر لا يساوم عليه.
وفي السياق ذاته كشفت المراحل نفسها من اختاروا الهروب إلى الخلف أو التلوّن مع كل موجة أو المقايضة بالمواقف مقابل مكاسب عابرة وهؤلاء لم تحتج حضرموت إلى تسميتهم لأن المواقف وحدها تكفلت بوضع كل شخص في خانته الطبيعية واللافت في رجال حضرموت الحقيقيين أنهم لا يكثرون الكلام عن أنفسهم بل تراهم حيث يجب أن يكونوا وتسمع أثرهم أكثر مما تسمع أصواتهم إضافة إلى أنهم يعرفون أن الحضور في اللحظة المناسبة أهم من أي ظهور متأخر وأن الحكمة في كثير من الأحيان تكون في ضبط الانفعال لا في رفع السقف وحين نقول رجال حضرموت فإننا لا نعني أشخاصاً بأسمائهم بقدر ما نعني مدرسة كاملة في السلوك والمسؤولية وهي مدرسة تقدم التماسك على الفوضى والعقل على الاندفاع والموقف الثابت على المكاسب السريعة واليوم وبينما تقف حضرموت على مفترق طرق جديد فإنها لا تحتاج إلى خطابات إضافية بقدر ما تحتاج إلى استعادة هذه الروح أي روح الرجال الذين يعرفون أن الأوطان لا تدار بردود الأفعال بل برجاحة العقل وأن الكرامة لا تجزأ ولا تدار بالمزاج ولذلك يبقى المعنى واضحًا أن الرجال مواقف وأن حضرموت عبر تاريخها لم تكن يوماً فقيرة بالرجال لكنها كانت دائماً صارمة في امتحانهم.