آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-07:24ص

السلطة والثروة: الجذر الحقيقي للصراع اليمني

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 10:08 م
خالد باعزب

بقلم: خالد باعزب
- ارشيف الكاتب


/خالد باعزب


من نقوش المسند القديمة إلى عناوين الأخبار العاجلة اليوم، يخبرنا التاريخ اليمني بحقيقة واحدة لا تتغير: نحن ندور في حلقة صراع لا تنتهي. تتبدل الرايات، وتتغير الأسماء، لكن الجوهر ثابت: معركة مفتوحة على السلطة والثروة، ومن لا ينتصر فيها يُقصى أو يُسحق أو يُدفع إلى الهامش.

في التاريخ الحديث، عاش الشمال حربًا دموية بين الملكيين والجمهوريين، ثم انتقل إلى صراع النفوذ بين القوى التي خرجت من الحرب نفسها. وفي الجنوب، لم يكن المشهد أفضل؛ فالصراع الرفاقي بين “الزمرة” و“الطغمة” لم يكن خلافًا سياسيًا عابرًا، بل حربًا على القرار والموارد، دفعت الجنوب إلى الوحدة عام 1990 وهو مثقل بجراحه، لا شريكًا متكافئًا. ثم جاءت حرب 1994 لتكشف الحقيقة الصلبة: الوحدة بلا شراكة عادلة ليست وحدة، بل ضمٌّ بالقوة.

وعندما نزيل الغطاء الأيديولوجي عن الحروب اليمنية، نجد القاعدة الذهبية: من يملك الدولة يملك المال، ومن يملك المال يشتري الدولة. لهذا ظلت “العقلية الصفرية” تحكمنا: إما أن أحكم وحدي أو أحرق الأرض على الجميع. ومن هنا نفهم لماذا يفشل أي سلام؛ لأن السلام عند أطراف الصراع ليس عقدًا، بل هدنة لالتقاط الأنفاس.

لهذا كانت مخرجات الحوار الوطني محاولة نادرة لقطع هذه الحلقة. ليست لأنها مثالية، بل لأنها طرحت العلاج الوحيد الممكن: تفكيك المركزية التي جعلت اليمن غنيمة واحدة في يد طرف واحد. الدولة الاتحادية ليست ترفًا سياسيًا، بل آلية منع صراع: توزيع للسلطة يمنع الاستبداد، وتقاسم للثروة يمنع الاحتكار، وضمانات تمنع إعادة إنتاج المظلومية التي تغذي الحروب.

أما الخوف من تقسيم الجنوب إلى إقليمين، فهو خوف مفهوم لكنه في جوهره مرتبط بسؤال أكبر: هل نريد دولة عادلة أم نريد مركزًا جديدًا؟ لأن رفض الإقليمين باسم “وحدة الجنوب” قد يتحول إلى إعادة إنتاج المركزية داخل الجنوب نفسه، وهو ما يفتح الباب لصراعات مستقبلية. حضرموت مثلًا تاريخيًا كانت أقل خضوعًا للمركز، وكثير من أبنائها يطالبون بإدارة مواردهم بأنفسهم، وهذه ليست نزوة، بل رد فعل طبيعي على تجارب الإقصاء والنهب السابقة.

العودة للعنف أو البحث عن حلول ترقيعية لن تصنع يمنًا جديدًا، بل ستعيد تشغيل ماكينة التاريخ القديمة. الحل واضح: تقاسم السلطة والثروة بقاعدة عادلة، تحت سقف دولة تتسع للجميع، وثروة تُدار لصالح الجميع، لا لصالح المنتصر وحده.

ولعل الحوار الجنوبي–الجنوبي القادم يمثل فرصة مكمّلة لهذه الرؤية، لأنه يفتح الباب أمام شراكة جنوبية أوسع وتفاهمات داخلية تقلل من الاستقطاب، وتؤسس لتمثيل أكثر توازنًا في أي مسار سياسي لاحق. فكلما اتسعت دائرة المشاركة داخل الجنوب، تراجعت فرص إعادة إنتاج صراعات النفوذ، وتقدمت فرص بناء موقف موحد يضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، ويمنع تحويل الجنوب نفسه إلى ساحة صراع جديدة.