بقلم: محمد أحمد العولقي
مع مطلع عام 2026، لم يعد خافيًا على أحد أن الخارطة الجيوسياسية للمنطقة تمر بمرحلة إعادة صياغة جذرية؛ فالتطورات المتسارعة في البحر الأحمر وخليج عدن لم تعد مجرد "أزمة عابرة" في ممر ملاحي دولي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على فهم التوازنات المحلية وتأثيرها المباشر على الأمن القومي العالمي.
لقد أثبتت أحداث العقد الأخير، وصولاً إلى التصعيد الراهن، حقيقة جوهرية مفادها: أن أمن الممرات المائية لا يمكن تحقيقه عبر البوارج والأساطيل المرابطة في عرض البحر فحسب، بل هو انعكاس عضوي للاستقرار السياسي والعسكري على اليابسة المحاذية لهذه الممرات. ومن هنا، تبرز الجغرافيا السياسية للجنوب كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تهدف لخلق سلام دائم.
الجغرافيا كاستحقاق سياسي:
إن القراءة الواعية للمشهد تؤكد أن القوى الفاعلة على الأرض في المحافظات الجنوبية قد انتقلت من مرحلة "إثبات الوجود" إلى مرحلة "فرض الاستقرار". فعلى مدار سنوات من مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل الممتدة من باب المندب وصولاً إلى أقصى الشرق، قدمت هذه القوى نموذجاً للشريك الموثوق الذي يمتلك الإرادة والقدرة.
بيد أن هذا الدور "الأمني" الذي يقوم به الجنوبيون في حماية الأمن والسلم الدوليين، يجب أن يقابله "اعتراف سياسي" بالواقع الجديد. إن محاولة القفز فوق تطلعات الناس أو اختزال قضاياهم الوطنية في قوالب تسوية هشة، لم تعد مجرد "خطأ سياسي"، بل هي تهديد مباشر لمنظومة الاستقرار التي ينشدها العالم.
الاقتصاد: الرئة البديلة للمنطقة:
في ظل التوترات التي تعصف بالبحر الأحمر، تبرز موانئ عدن والمكلا كضرورة استراتيجية، ليس لليمن فحسب، بل للاقتصاد الإقليمي والدولي. إن تحويل هذه المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي يتطلب أكثر من مجرد ترميم أرصفة؛ يتطلب تمكيناً حقيقياً للمؤسسات المحلية، وتثبيتاً للسيادة الاقتصادية التي تضمن توجيه الموارد نحو تنمية المجتمع وبناء الدولة.
إن الاستثمار في استقرار الجنوب هو الاستثمار الأضمن لتأمين خطوط الإمداد العالمية؛ فالعالم اليوم يبحث عن "شركاء حقيقيين" يمتلكون الأرض والقرار، وليس عن كيانات هلامية لا تسيطر إلا على مساحات ضيقة من الخارطة.
نحو رؤية واقعية للحل:
إن أي جهد دولي يسعى لإنهاء الصراع في المنطقة يجب أن ينطلق من "الواقعية السياسية". والواقعية اليوم تقول إن تجاهل "الإرادة الشعبية" في الجنوب لن ينتج إلا مزيداً من الفراغ الذي تستغله القوى المزعزعة للاستقرار.
الخلاصة، إن مفتاح الحل لا يكمن في الهروب إلى الأمام بوعود وهمية، بل في الاعتراف بالواقع الذي تشكل على الأرض، ودعم القوى التي أثبتت أنها صمام أمان للمنطقة والعالم. لقد آن الأوان ليتوقف التعامل مع الجغرافيا الجنوبية كـ "ساحة صراع"، والبدء بالتعامل معها كـ "ركيزة استقرار" وشريك نِدّي في بناء مستقبل المنطقة.