في لحظةٍ يطغى فيها الضجيج، وتُدار المواقف وفق ميزان القوة لا ميزان القناعة، خرج فتحي بن لزرق من الرياض ليقول ما يتجنّب كثيرون قوله: الجنوب ليس كتلةً واحدة، والوحدة العادلة ليست خيانةً للقضية الجنوبية، بل طريق إنصافها.
لم يظهر بن لزرق في مقابلة تلفزيونية أخيرة ليصنع جدلًا، ولا ليجامل واقعًا مفروضًا، بل ليكسر صورة نمطية جرى تسويقها باعتبارها «الحقيقة الوحيدة»؛ وهي أن الجنوب انفصالي بالكامل. من قلب مدينة تخضع لسطوة خطاب واحد، أعلن أن هناك أغلبية صامتة تؤمن بالوحدة العادلة كمشروع وطني، لا كشعار استهلاكي.
قوة موقف بن لزرق لا تكمن في حدّته، بل في اتساقه. لم ينكر عدالة القضية الجنوبية، ولم يساوم عليها، لكنه رفض تحويلها إلى أداة تفتيت أو تجارة سياسية. اعترف بماضيه الانفصالي، ثم أعلن مراجعته له بوضوح نادر، في زمن يُكافأ فيه التصلّب ويُعاقَب فيه النقد الذاتي.
كان أكثر وضوحًا حين رفض وحدة 1994 بوصفها وحدةً غير عادلة، لكنه في الوقت نفسه رفض تمزيق الوطن أو شرذمته، مؤكدًا أن الحل لا يكمن في الانقسام، بل في وحدة تقوم على العدل والشراكة وإنهاء الإقصاء. فالوحدة، كما قدّمها، ليست حنينًا للماضي ولا إنكارًا للظلم، بل مشروعًا قابلًا للإصلاح.
وحين تحدّث عن واقع الجنوب، لم يُجمّل الصورة. وصف تجربة الحكم بالقسوة والنهب، وسمّى المتاجرين بالقضية بمواقفهم لا بأسمائهم، مؤكدًا أن ما نُهب بعد 2015 فاق ما سبقه. ومع ذلك، لم يسقط في خطاب الكراهية أو التعميم، بل أبقى بوصلته باتجاه الدولة، لا الفوضى.
وفي مشهد سياسي يتهافت فيه كثيرون نحو المناصب، بدا موقفه أكثر اتساقًا حين أكد أنه لم يسعَ لوظيفة، ولم يقايض قناعته بموقع، رغم العروض. هنا تحديدًا، يتحوّل الخطاب من رأي إلى موقف.
ما قاله فتحي بن لزرق لا يرضي جميع الأطراف، لكنه يعبّر عن حاجة وطنية ملحّة: كسر احتكار الصوت الواحد، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الوحدة العادلة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لبقاء اليمن، شماله وجنوبه، وطنًا قابلًا للحياة.