/عدنان زين خواجه
أثار منشور متداول لوزير وسفير سابق، طالب فيه رئيس الوزراء المكلّف بعدم تعيين وزراء من المنتمين إلى التيارات الانفصالية في المناطق المحررة، موجة من الجدل السياسي والإعلامي، وفتح باباً واسعاً للنقاش حول معايير التشكيل الحكومي في هذه المرحلة الحساسة.
المنشور، الذي جاء في توقيت مشحون بالتوقعات حول شكل الحكومة الجديدة، اعتبره البعض محاولة للتأثير على مسار التعيينات، فيما رأى آخرون أنه يعكس صراعاً سياسياً قديماً يتجدد مع كل استحقاق حكومي. غير أن الانتقادات الأشد جاءت من أصوات ربطت بين هذا الطرح وبين ما وصفته بـ"ازدواجية المعايير"، متسائلة: هل من المنطقي استبعاد شخصيات من مناطق محررة بحجة انتماءاتها السياسية، في الوقت الذي يُطرح فيه تعيين مسؤولين تنتمي محافظاتهم إلى مناطق لا تزال خارج سيطرة الدولة؟
ويذهب منتقدو هذا التوجه إلى أن معيار "الشرعية على الأرض" يجب أن يكون حاضراً في أي نقاش حول التعيينات العليا. فبحسب هذا الرأي، لا يُعقل أن يتولى شخص منصباً وزارياً أو قيادياً بينما محافظته لا تزال تحت سيطرة قوى انقلابية، ثم يُمنح صلاحيات لإدارة شؤون محافظات محررة وسكانها. ويرون أن المنطق الإداري والسياسي يقتضي أن تُمنح الأولوية في إدارة المناطق المحررة لأبنائها، ممن يعيشون واقعها ويتحملون تبعات قراراتهم أمام مجتمعهم المحلي.
ويتصاعد الطرح إلى أبعد من ذلك، حيث يدعو بعض الكُتّاب والناشطين إلى اعتماد قاعدة واضحة مفادها: من لم تُستعد محافظته بالكامل، أو لا تزال أجزاء واسعة منها خارج سيطرة الدولة، لا ينبغي أن يُمنح منصباً وزارياً أو موقعاً تنفيذياً رفيعاً، إلى حين استعادة السيطرة الكاملة. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن الأولى بمن يطمحون إلى المناصب أن يوجهوا جهودهم نحو تحرير مناطقهم، بدلاً من الانخراط في صراعات الكراسي والامتيازات.
كما يوسّع هذا التيار دائرة النقد لتشمل ليس فقط الحكومة، بل أيضاً مجلس القيادة، معتبرين أن العدالة في التمثيل لا تتوقف عند حدود الوزارة، بل تشمل مختلف هياكل السلطة العليا. فالمعيار، وفقاً لهذا المنظور، يجب أن يكون مرتبطاً بالفعل الوطني على الأرض، لا بمجرد الحضور السياسي أو التاريخ الوظيفي.
في المقابل، يحذّر مراقبون من أن ربط الأحقية في المنصب بالوضع الميداني للمحافظة قد يفتح الباب أمام تعقيدات دستورية وسياسية، وقد يُفسَّر بوصفه تكريساً لانقسام جغرافي مؤقت. ويؤكدون أن معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة يجب أن تبقى في صدارة أي عملية اختيار، مع مراعاة حساسية المرحلة ومتطلبات التوازن الوطني.
وبين من يرى في الطرح دعوة لتحقيق عدالة واقعية منبثقة من معادلة "الأرض أولاً"، ومن يعتبره توجهاً قد يعمّق الاستقطاب، يبقى التحدي أمام رئيس الوزراء المكلّف هو صياغة تشكيلة حكومية تعكس توازنات المرحلة، وتستند إلى معايير واضحة وشفافة، وتقدّم المصلحة العامة على حساب الطموحات الشخصية وصراعات النفوذ.
فالمرحلة الراهنة، كما يجمع كثيرون، لا تحتمل حكومة امتيازات، بل حكومة مسؤولية، يكون معيارها الأول القدرة على خدمة المواطنين وتعزيز حضور الدولة على الأرض، لا مجرد شغل المناصب وتبادل الاتهامات.