آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-11:52ص

الخوف من استمرار الوضع الحالي في شطري اليمن !

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 11:18 م
د. عبدالسلام الصيادي

بقلم: د. عبدالسلام الصيادي
- ارشيف الكاتب


إنها لوحةٌ قاسيةٌ تلك التي نراها ، حيث تتشابك خيوط الأمس بخيوط اليوم في نسيج واحد من الجراح المستدامة...

نقفُ على أعتاب الحاضر ، فنرى صدى البؤس القديم يتردد في كل زاوية ، وكأننا محكومون بدورة أزلية من دفن البؤس بالبؤس ، ووداع ليل بليل أشدّ حلكة...

هي رحلةٌ شاقةٌ، نُداري فيها دمعة بغصة ، وما بينهما تترنح شهقة التمني ، تلك الومضة الخافتة التي ترفض الاستسلام لواقع مُثقل بالمنكسرين والبائسين....

ومع ذلك ، ففي صميم هذا الواقع القاحل ، يكمنُ قدرنا الأسمى :

أن نكون حُرّاس المواجهة ، أن نتصدى للظلم والفساد بكل أشكاله ، لا من باب اليأس ، بل من منطلق الإيمان بأن الحياة ، رغم قسوتها ، تستحق الكفاح....

في لحظةِ استشراف عميقة ، حيث يتوقف الزمن للحظة ، نتنفس بعمق يمزقه القلق من استمرار هذا الوضع المتردي....

لكن القلق ليس نهاية المطاف ، بل هو شرارة الأمل المشروط....

شرطُنا الوحيد للتحرر هو الحرية والثورة ، وبوابة هذا الشرط ليست سوى العلم والمعرفة ...

فكلما اتسعت رقعة معرفتنا ، اتسعت معها مساحة اختيارنا للمستقبل ، وتعاظمت قدرتنا على إشعال الثورات الحقيقية ، ليست ثورات الدم والتراب ، بل الثورة العلمية الكفيلة وحدها بنقل مجتمعاتنا من كهف الشح إلى فضاء الوفرة ، هذه الثورة هي القوة القادرة على إزاحة الستار عن المسرحية الهزلية التي تحاول أن تبرر التجديف في حق الزمان والتاريخ والإنسان...

لقد كان غسل ذاكرة الرعية هو آخر ترياق توصلت إليه عبقرية الزبانية ، محاولين تجميد الوعي في زمن مستعار ، لكن الثورة العلمية هي من ستقوم بتصحيح الماضي من البهتان ، وتحرير التاريخ من أشباح الزور ، وإطلاق العنان للحاضر ليحلق في الفضاء الرحب نحو غد يتقدم بالعقل لا بالوهم....

إن الصراع الدائر في هذه الحلقة المفرغة يكمن وراءه شبحٌ قديم : عقلية الشح والندرة في الموارد ، هذه العقلية هي التي تغذي الجشع في النفس البشرية ، وتدفع الكثيرين ممن فقدوا أفق المستقبل إلى عشق الموت كحل أخير...

لكن العلم حين يقترن بالحرية ، يفتح آفاقا لا نهائية من الفرص الواعدة ، إنه يقلب الموازين ، مستبدلا عقلية الشح بعقلية الوفرة التي ترى في كل تحدٍ إمكانية ، وفي كل سؤال اختراعا....

إن ما يكمن خلف هذه الدائرة المفرغة من الصراع ليس مجرد سوء تدبير ، بل هو الجوهر القاتل لعقلية الشح ، شبح الندرة الذي يغتال الأفق. هذه العقلية هي الينبوع الآسن الذي يروي جذور الجشع ، ويُحوّل الإنسان إلى ذئب ينهش أخاه على فتات الموارد....

إنها الوصفة الكبرى لليأس ، حيث يُصبح عشق الموت هو الملاذ الأخير لمن سُدت في وجهه أبواب المستقبل، وكأن الحياة لم تعد سوى عبء ثقيل يجب التخلص منه...

هنا وفي هذا المنعطف الحاسم، يبرز العلم كقوة قاهرة لا تقاوم....

فحينما يُعمد العلم بماء الحرية، فإنه لا يكتفي بفتح الآفاق، بل يُفجّر ينابيع الوفرة من صميم العدم ، إنه انقلابٌ كونيٌ في الوعي ، يستبدل عقلية الشح البائسة بعقلية الوفرة الجبارة التي ترى في كل ذرة تراب مشروعا ، وفي كل تحد بوابةً لاختراعٍ يغير وجه التاريخ.....

بالعلم وحده، وليس سواه، تُكسر قيود الدورة الأزلية ، وتُبعث الأمم من رمادها، لترسم فجرا لا يغيب ، بل يضيء الكون كله...