في ظل تصاعد الاضطرابات الإقليمية وتنامي محاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس هشة، جاء مقال الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، ليحمل رسائل سياسية واضحة تتجاوز حدود الرد الإعلامي، وتكشف عن ملامح تحوّل محسوب في السياسة السعودية تجاه قضايا المنطقة.
المقال لا يمكن قراءته كنص رأي عابر، بل كجزء من خطاب سياسي سعودي أوسع يسعى إلى إعادة ضبط التوازنات الإقليمية، وتحديد سقوف التعامل مع الملفات الحساسة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية واستقرار الدول العربية.
لا تطبيع دون دولة فلسطينية
أعاد الأمير تركي الفيصل التأكيد على الثابت السعودي الذي حاولت أطراف عديدة التشكيك فيه، وهو أن أي حديث عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل يظل مشروطًا بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
هذا الموقف، الذي وصفه الفيصل بوضوح لا لبس فيه، يعكس قناعة راسخة لدى صانع القرار السعودي بأن تجاوز القضية الفلسطينية لا يمكن أن يؤسس لاستقرار حقيقي في المنطقة، مهما تعددت الضغوط أو تغيّرت السياقات الدولية.
إسرائيل ومقاربة تفكيك الدول
اللافت في خطاب الفيصل أنه انتقل من الدفاع عن الموقف السعودي إلى تشخيص طبيعة السلوك الإسرائيلي في الإقليم. فقد أشار بوضوح إلى محاولات حكومة بنيامين نتنياهو استثمار الانقسامات الطائفية والعرقية في كل من سوريا واليمن، بما يخدم إبقاء هذه الدول في حالة إنهاك وعدم استقرار.
في سوريا، يظهر السعي الإسرائيلي إلى إدامة الهشاشة الداخلية ومنع تعافي الدولة، وفي اليمن تتقاطع بعض المشاريع مع مصالح إقليمية ودولية لا تنظر إلى وحدة البلاد بوصفها أولوية. هذا التشخيص يضع إسرائيل في موقع الطرف المستفيد من الفوضى، لا من استقرار الدول.
استقلال القرار الدفاعي السعودي
من أبرز الرسائل التي حملها المقال الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية تمكّنت، خلال السنوات الأخيرة، من تعزيز استقلال قرارها الدفاعي، وعدم رهن شراكاتها العسكرية باعتبارات خارجية غير معلنة.
هذا التطور يعكس تحوّلًا في رؤية القيادة السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، نحو ترسيخ مفهوم السيادة الكاملة في بناء القوة الوطنية، بعيدًا عن أي اشتراطات سياسية تمس المصالح العليا للمملكة أو المنطقة.
من يروّج للفوضى؟
استخدم الفيصل توصيفات سياسية لاذعة بحق أطراف عربية تروّج للتطبيع غير المشروط أو تسوّق لمشاريع التفكيك والانقسام تحت عناوين مختلفة. والمقصود هنا ليس دولًا بعينها بقدر ما هو سلوك سياسي وإعلامي يبرر المساس بوحدة الدول العربية، ويتماهى مع الرواية الإسرائيلية بوصفها أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.
السعودية ودورها الإقليمي
خلاصة خطاب الأمير تركي الفيصل أن السعودية تسعى إلى لعب دور إقليمي يقوم على دعم استقرار الدول، ورفض مشاريع التقسيم، والحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية كمدخل أساسي لأي تسوية شاملة.
هذا الدور لا يقوم على الشعارات، بل على قراءة واقعية لمخاطر المرحلة، ومحاولة بناء توازن إقليمي يقلل من كلفة الصراعات، ويمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
في زمن تتكاثر فيه المبادرات الهشة، يبرز الصوت السعودي داعيًا إلى مقاربة أكثر توازنًا، قوامها احترام سيادة الدول، ورفض الحلول المؤقتة التي تعالج الأزمات عبر تعميقها لا حلّها.