آخر تحديث :الإثنين-26 يناير 2026-01:34م

حين كبرنا قبل أواننا

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 10:49 ص
بشرى نصير

بقلم: بشرى نصير
- ارشيف الكاتب


حين كنّا أطفالًا، لم يكن العالم أكبر من ساحةٍ ترابية، ولا الحلم أوسع من كرةٍ تتدحرج بين أقدامنا. كنا نركض خلفها ببراءةٍ عمياء، غير مدركين أن خلف ظهورنا رجالًا ونساءً يحملون عنّا ثقل الحياة كاملة. لم نكن نرى انحناءة ظهور آبائنا، ولا تشقّقات أيديهم، ولا صمتهم المليء بالأنين وهم يربّوننا على الصدق، وعلى الأمانة، وعلى قلبٍ أبيض لا يعرف الغدر، حتى مع من أساء.

كبرنا… وكبر معنا الإدراك، لا الفرح.

اكتشفنا أن الحياة لا تُشبه ألعاب الطفولة، وأنها لا تمنح فرصًا عادلة. عافرناها كما عافرها آباؤنا، وربما بوجعٍ أشد، لأن زمنهم كان يحمل من الجَمال ما يكفي ليُحتمل، أما زمننا هذا فصار زمنًا غادرًا، يبتسم لك وهو يخبّئ الخنجر خلف ظهره. زمن لا يخبرك متى ستُكسَر، ولا من سيخذُلك، ولا لماذا يكون أقرب الناس أول من يبيعك.

كم هو جارح هذا الشعور…

أن تنضج وقلبك مثقل بالندوب، أن تتلقى الصفعة قبل النصيحة، والهزيمة قبل المحاولة. في هذا العالم، لا تُدرَّس الدروس، بل تُلقى على وجهك قاسية، بلا تمهيد، وكأن الألم هو لغة التعليم الوحيدة.

رأينا الدنيا من زاويةٍ لم نكن مستعدين لها.

زاويةٍ تذبح البراءة على مهل، وتشوّه الحقائق حتى يغدو الصدق جريمة، والكذب بطولة. صار الصادق متهمًا حتى يثبت براءته، وصار المنافق شاهدًا يُصدَّق بلا دليل. قُتلت القيم في وضح النهار، ومرّ القتلة مكرّمين، بينما دُفن الحق بصمت.

يا لها من دنيا دوّارة، لا تحفظ جميلًا ولا تراعي ضعفًا.

ظلمت الطفولة حين نزعت عنها لعبها، وألبستها همومًا أثقل من أعمارها. أعطت الطفل دروسًا لم يُخلق لها بعد، وأتعبته وهو كان يستحق أن يلهو، أن يركض خلف كرةٍ لا خلف لقمةٍ، ولا خلف أمانٍ مفقود.

ومع كل هذا الخراب، يبقى في القلب رجاءٌ عنيد.

رجاء بأن تستيقظ الرحمة من سباتها، وأن تعود الإنسانية إلى وجه هذا الزمن المتعب، وأن يولد في أيامنا شيءٌ يشبه آباءنا… صلابتهم، وصدقهم، وقدرتهم العجيبة على العطاء دون غدر.