لم يعد تغييب تهامة عن القرار السياسي مجرد خلل عابر في بنية الدولة، بل أصبح سياسة ممنهجة، وإقصاءً متعمّدًا، يرقى إلى مستوى الظلم التاريخي الذي يُعاد إنتاجه بوجوه جديدة وشعارات براقة. فتمثيل تهامة في مراكز صنع القرار ليس فضلًا من أحد، ولا منحة تُصرف عند الضرورة، بل حق وطني أصيل لا يقبل الجدل أو التأجيل أو المساومة. إن أي حديث عن شراكة وطنية، أو دولة مواطنة، أو مرحلة انتقالية، في ظل استمرار إقصاء تهامة، ليس سوى خطاب استهلاكي فاقد للمصداقية. فالشراكة التي تُبنى على تغييب مكون وطني كامل، بحجم تهامة وثقلها السكاني والجغرافي والتاريخي، ليست شراكة، بل احتكار مقنّع للسلطة. تهامة ليست جغرافيا منسية بالصدفة، بل منطقة جرى دفعها عمدًا إلى الهامش. هذه الرقعة اليمنية الضاربة في عمق التاريخ، تحوّلت بفعل سياسات الإقصاء إلى مثال صارخ على كيف تُدار الدولة بعقلية الغلبة لا بعقلية المواطنة. وعلى مدى عقود، جرى التعامل مع تهامة كخزان بشري يُستدعى عند الحاجة، لا كشريك يُحتكم إليه عند اتخاذ القرار. لقد تراكمت مظلومية تهامة عبر الزمن، حتى باتت قضية وطنية مؤجلة، يتم تجاوزها في كل تسوية، وتجاهلها في كل مرحلة، وكأن إنصافها رفاه سياسي يمكن الاستغناء عنه. وهذا التجاهل لم يكن بريئًا، بل كان جزءًا من منظومة حكم كرّست التفاوت، وأعادت توزيع السلطة والثروة على أسس لا علاقة لها بالعدالة أو الكفاءة. عانت تهامة من حرمان سياسي واضح، وغياب شبه كامل عن مراكز صنع القرار، فلم تحظَ بتمثيل عادل في مؤسسات الدولة، ولا بموقع يتناسب مع وزنها الحقيقي. وفي الوقت ذاته، تعرضت لتهميش اقتصادي خانق، حرم أبناءها من أبسط حقوقهم في التنمية والخدمات، وأغرق مناطقها في الفقر والإهمال، رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية، وموانئ، وموقع استراتيجي، كان يفترض أن يجعلها ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. إن ما جرى لتهامة ليس فشلًا إداريًا، بل سياسة إقصاء واضحة المعالم، جعلت الإنسان التهامي يدفع ثمن الدولة مرتين مرة حين حُرم من حقوقه، ومرة حين طُلب منه الدفاع عن وطن لم ينصفه. رغم كل هذا الظلم، لم تتخلَّ تهامة عن واجبها الوطني. كان أبناؤها، ولا يزالون، في مقدمة المدافعين عن الجمهورية، يقاتلون في مختلف الجبهات، ويقدمون الشهداء تلو الشهداء دفاعًا عن اليمن، ومواجهة لمشاريع الخراب، وفي مقدمتها ميليشيا الحوثي.
لكن السؤال الصادم ماذا حصدت تهامة مقابل هذه التضحيات ؟ لا تمثيل سياسي منصف، لا إنصاف لأسر الشهداء، لا حضور في دوائر القرار، ولا اعتراف حقيقي بدورها. وهذا التناقض الفجّ أن تكون تهامة حاضرة في ساحات الموت، وغائبة في قاعات القرار يمثل سقوطًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تبريره بأي منطق. إن إقصاء تهامة من مجلس القيادة، رغم عدد سكانها، وأهميتها الجيوسياسية، وإسهامها الوطني، ليس تفصيلًا ثانويًا، بل فضيحة سياسية مكتملة الأركان. فهو يؤكد أن معايير التمثيل لا تقوم على الوزن الوطني، بل على التوازنات الضيقة، والصفقات، ومراكز النفوذ. وهنا لا بد من القول بوضوح مجلس قيادة لا تمثل فيه تهامة تمثيلًا عادلًا، هو مجلس منقوص الشرعية الوطنية، مهما حاول التستر خلف شعارات الوحدة والشراكة. في ظل هذا الواقع، لا يحق لأحد أن يلوم التهاميين على أي خيارات سياسية أو مواقف يتخذونها دفاعًا عن حقوقهم. كما لا يُلام الجنوبيون حين يرفعون سقف مطالبهم، فإن التهاميين أيضًا ليسوا مطالبين بالصمت إلى الأبد. فالظلم يولّد الغضب، وغياب الشراكة يولّد البحث عن بدائل، ومن يزرع الإقصاء لا يحق له أن يستغرب النتائج. أما الحديث عن الحكومة القادمة، فإن استمرار نهج المحاصصة الحزبية لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الفشل. لقد أثبتت الأحزاب، منذ سقوط الدولة في 2015، أنها لم تكن جزءًا من الحل، بل كانت في معظم الأحيان عبئًا إضافيًا على كاهل المواطن، ومكونًا أساسيًا في تعقيد الأزمة. لم تقدم الأحزاب إنجازًا ملموسًا، ولم تحسّن حياة الناس، ولم تبنِ مؤسسات، بل انشغلت بتقاسم النفوذ، وترك المواطن وحيدًا في مواجهة الانهيار. من هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى حكومة محاصصة، بل إلى حكومة كفاءات مستقلة بالكامل، يكون معيارها الوحيد هو القدرة على الإنجاز، والنزاهة، وخدمة الناس. ولهذا، فإن دعم جهود رئيس الوزراء شايع محسن في الدفع نحو هذا الاتجاه ليس موقفًا سياسيًا، بل موقف وطني مسؤول. فالدولة لا تُبنى بالولاءات، بل بالكفاءات، ولا تُستعاد بالشعارات، بل بالعمل الجاد والقرارات الشجاعة. إن معالجة مظلومية تهامة لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، تبدأ بتمثيلها العادل في مؤسسات الدولة، وتمر بإطلاق مشاريع تنموية حقيقية، وضمان مشاركتها في أي تسوية سياسية قادمة، وإنصاف أسر شهدائها وجرحاها. إن تجاهل تهامة لا يهدد أبناءها وحدهم، بل يهدد فكرة الدولة ذاتها. فالعدالة المجتزأة لا تصنع وطنًا، والشراكة المنقوصة لا تبني استقرارًا، والتاريخ لن يرحم من فرّط في حقوق مكون وطني أصيل، ظل وفيًا لوطنه، ومقدّمًا التضحيات، رغم كل ما تعرض له من إقصاء وتهميش. إنصاف تهامة اليوم هو اختبار الصدق الأخير… ومن يفشل فيه، يفشل في بناء اليمن.