آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-05:44م

الجنوب يرسم مساره من الرياض

السبت - 24 يناير 2026 - الساعة 11:55 ص
محمد عبدربه

بقلم: محمد عبدربه
- ارشيف الكاتب


إنّ اللحظات التاريخية لا تُقاس بعدد الأيام، بل بحجم القرارات التي تُتخذ في الأوقات الحرجة. وفي مثل هذه اللحظة المفصلية التي يمر بها الجنوب، يصبح نداء العقل والمسؤولية واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يحتمل التأجيل أو التردد.


إن السعي الحقيقي نحو العدالة والمساواة يبدأ أولًا من الاعتراف بحقوق الجميع دون تمييز. فالتهميش، أيًا كان مصدره أو مبرراته، هو الوقود الذي يُشعل مشاعر الظلم، والظلم – مهما طال أمده – لا يمكن أن ينتصر، لأن الأرض وأهلها يقاومون حتى تستعيد الحقوق مكانها الطبيعي.


ومن هذا المنطلق، فإن رفض القتل والعنف ليس موقفًا سياسيًا ظرفيًا، بل مبدأ راسخ تؤكده القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، إذ إن الحق في الحياة يظل أسمى الحقوق، والعدل الحقيقي يقوم على الثبات في إعطاء كل ذي حق حقه دون انتقائية أو إقصاء.


لقد شهدت المحافظات الجنوبية، من العاصمة عدن إلى حضرموت وأبين وشبوة والمهرة وسقطرى، حالات تهميش واضحة، وهو أمر يتناقض مع جوهر القضية الجنوبية نفسها، التي قامت أساسًا على رفض الإقصاء والمطالبة بالحقوق المشروعة. فلا يمكن لقضية عادلة أن تُدار بعقلية الاستحواذ أو احتكار الأرض والقرار، أو إنكار حق أي محافظة في تمثيل نفسها والدفاع عن مصالح أبنائها.


واليوم تقف قضيتنا الجوهرية عند مفترق طرق حاسم: إما المضي نحو حل عادل وشامل يضمن حقوق جميع المحافظات الجنوبية دون استثناء، أو الاستمرار في حلقة مفرغة من الصراعات والتجاذبات التي سيدفع ثمنها الجميع، بلا رابح حقيقي.


ومن هذا المنطلق، نُرحب بمؤتمر الرياض، ونحثّ جميع المكونات والأحزاب والقوى السياسية الجنوبية على الحضور والمشاركة الفاعلة فيه، ليس بوصف ذلك خيارًا تكتيكيًا، بل باعتباره واجبًا وطنيًا تفرضه وحدة المصير. فلا يوجد طرف قادر على النجاة بمفرده، لأن استقرار الجنوب كلٌّ لا يتجزأ، وقوته الحقيقية تكمن في قدرته على صياغة حل سياسي جامع لا يُقصي أحدًا.


إن مؤتمر الرياض يمثل اليوم المسار الحقيقي أمام الجنوب، وفرصة جدية لتحويل الحوار من مجرد لقاءات شكلية إلى عملية سياسية منتجة. فالحل العادل الذي ننشده ليس هبة من أي طرف، بل ثمرة نقاش شجاع ومسؤول، نضع فيه مصلحة الإنسان والوطن فوق الحسابات الضيقة والمصالح الآنية.


الحوار ليس اعترافًا بالضعف، بل هو ذروة الشجاعة السياسية، والطريق الأقصر لإنهاء معاناة طال أمدها، واستعادة الثقة بين أبناء الجنوب بمختلف محافظاتهم وتوجهاتهم.


ومن هنا، فإن الدعوة للمشاركة في مؤتمر الرياض ليست دعوة للحضور الشكلي، بل للمساهمة الفعلية في صناعة القرار، وتحويل هذا المؤتمر إلى نقطة تحول تاريخية تُرسّخ أسس الاستقرار المستدام، وتكفل لكل محافظة حقها الكامل في التمثيل والإنصاف.


إن التاريخ لا يرحم المترددين، لكنه يخلّد أولئك الذين امتلكوا الجرأة على مدّ الجسور في زمن الجدران، واختاروا الحكمة حين كانت الضوضاء أعلى صوتًا. وشعب الجنوب اليوم ينتظر من قياداته وممثليه صوتًا عاقلًا وحكيمًا على طاولة حوار مؤتمر الرياض، لأن نجاح هذا المسار لا ينعكس على الجنوب وحده، بل على استقرار المنطقة وأمنها بأكملها.