لم تكن عدن يوما مدينة عادية بل كانت على الدوام فكرة للدولة وميناء للسياسة ومرآة لما يجري في اليمن كله واليوم وهي تقف في قلب المشهد الراهن تتجسد فيها كل التناقضات تاريخ الدولة في مواجهة واقع التشظي وأحلام الناس في مقابل أثقال المعاناة اليومية تعيش عدن وضعا بالغ التعقيد حيث تتقاطع الأزمات الخدمية مع الانسداد السياسي ويصبح المواطن الحلقة الأضعف في صراع لا يملك أدواته ولا مفاتيحه. الكهرباء الغائبة و المياه الشحيحة وتدهور العملة وارتفاع الاسعار ليست مجرد أزمات خدمية بل مؤشرات على خلل عميق في إدارة الدولة وتوزيع المسؤوليات وغياب المساءلة الجادة لمن تسبب بكل الأزمات .
سياسيا تحولت عدن إلى ساحة رمزية لتعدد مراكز القرار وتضارب الصلاحيات الأمر الذي أفقدها القدرة على أن تكون عاصمة فاعلة للدولة المؤقتة. فبدل أن تكون نموذجا للاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة أصبحت مثالا على هشاشة التوافقات وضعف الإرادة في تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
ورغم كل ذلك لم تفقد عدن روحها. فهذه المدينة التي صمدت أمام الاستعمار واحتضنت الحركات الوطنية وقدمت نموذجا مدنيا متقدما في محيطها ما تزال قادرة على النهوض بالإرادة السياسية والرؤية الواضحة عدن لا تحتاج إلى شعارات وانتقام ... بقدر ما نحتاج إلى تغليب الحكمة والتعقل والاعتراف بالاخطاء السياسية والإدارية الجوهرية والتصويب وفهم حقيقة المشهد الدولي وخطر المرحلة والتوقيت الحرج لكل دول المنطقة والفهم بوعي لا برد الفعل و إدارة رشيدة وقرار سيادي واضح وشراكة حقيقية تحترم القانون وتعيد الاعتبار للمؤسسات فلا وقت للمداهنات السياسية لأنها كانت كارثية من سابق .
إن إنقاذ عدن اليوم ليس مطلبا محليا فحسب بل ضرورة وطنية فاستقرارها يعني فتح نافذة أمل لليمن كله وخلق الأزمات فيها وجرها الى مربعات يعني اتساع دائرة الفوضى .
ومن هنا فإن المسؤولية تقع على كل القوى السياسية والسلطات القائمة والنخب المجتمعية والمدنية للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها ومن منطق الغلبة إلى منطق الدولة .
ستبقى عدن أكبر من أزماتها وتنتصر بابنائها بعيدا عن المشاريع الضيقة وستجد عدالة تنصف أهلها فالتاريخ الذي صنعته هذه المدينة يمنحها الحق في مستقبل أفضل .
وما نشهده اليوم من توجه نحو ضبط الإيقاع السياسي والأمني ومعالجة الاختلالات بهدوء ومسؤولية يعكس رغبة حقيقية في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة قادرة ومستقرة.
وعلى القوى السياسية والمدنية والمجتمعية الحكيمة اليوم الالتفاف وتوحيد الصف والتمسك بأهداف تخدم الوطن وتعلي سيادة الدولة و القانون والعدالة في المجتمع .