آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-06:38ص

القضية الجنوبية.. من أزمة دولة إلى ورقة في صراع الإقليم

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 04:20 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


لم تكن القضية الجنوبية حدثاً طارئاً وُلد بعد وحدة 22 مايو 1990، ولا مجرد رد فعل على حرب 1994، كما لم تكن أزمة ممارسة السلطة في شمال اليمن وليدة تلك اللحظات المفصلية. نحن أمام مسار تاريخي طويل من الاختلال في بناء الدولة ومفهوم الحكم، أعاد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، حتى انفجر في الجنوب والشرق، ثم جرى توظيفه لاحقاً في معادلات الصراع الإقليمي.


فجنوب اليمن قبل الوحدة لم يكن يعيش حالة استقرار مثالية، بل كان يمر بمرحلة احتقان سياسي واجتماعي عميق. انقسامات رأسية داخل بنية السلطة، أزمات اقتصادية خانقة، وتصدعات اجتماعية خلقتها دورات الصراع الدموي بين شركاء الحكم. كل ذلك دفع بالنخبة الجنوبية إلى الهروب غير المدروس نحو الوحدة، باعتبارها مخرجاً سريعاً من مأزق داخلي خانق، أكثر من كونها مشروعاً استراتيجياً ناضجاً لبناء دولة مشتركة.


وفي المقابل، فإن أزمة الحكم في شمال اليمن أعمق وأقدم من الوحدة ذاتها. هي أزمة ذات بعد تاريخي وجغرافي، ارتبطت بثقافة سياسية تشكلت عبر قرون، ترى أن الجغرافيا الجبلية في أقصى الشمال تمثل مركز “الحق التاريخي” في حكم الأودية والسواحل. ومن هذا التصور نشأ شعور بالفوقية والتفوق، جعل سكان السواحل والأودية، عبر التاريخ، عرضة للتهميش ونهب الموارد واغتصاب الأرض والثروة، لا بوصفهم شركاء في وطن، بل بوصفهم مجالاً للهيمنة والنفوذ.


في ظل هذه الخلفيات المتراكمة جاءت وحدة 22 مايو 1990، محمولة بحلم يمني واسع. امتلأت القلوب بالأمل أن تبدأ اليمن بداية جديدة، تُطوى فيها صفحات الغلبة والتهميش، ويُبنى نموذج دولة حديثة تقوم على الشراكة، والعدالة، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية. كان المفترض أن تكون الوحدة لحظة قطيعة مع إرث مراكز النفوذ التاريخية، لا امتداداً لها.


لكن ما حدث كان العكس تماماً.

ففي الجولات الأولى من الممارسة السياسية تحطم ذلك الأمل سريعاً. إذ لم تُستوعب الوحدة كمشروع دولة جديدة، بل كمساحة نفوذ جديدة لسلطة قديمة. فنظر حكام صنعاء إلى الجنوب والشرق بالمنظار ذاته الذي كانوا ينظرون به إلى تعز وإب والبيضاء والحديدة: مناطق خاضعة للمركز، لا شركاء في القرار.


ثم جاءت انتخابات 1993 لتكشف عمق الأزمة. لم تكن مجرد استحقاق ديمقراطي، بل لحظة سياسية حاسمة حوّلت شريك الوحدة، الحزب الاشتراكي، من طرف مؤسس في العقد السياسي إلى طرف ثالث في معادلة سلطة غير متكافئة. وهنا بدأت شروخ الانقسام تتسع، وانتقلت اليمن من مرحلة التعايش القلق إلى مرحلة الصراع المؤجل.


وكانت حرب 1994 النتيجة الطبيعية لهذا المسار.

وبعدها لم تعد الوحدة عقداً سياسياً بين شركاء، بل تحولت إلى غنيمة. أُعيد تشكيل علاقة السلطة بالدولة على قاعدة “الفيد والغنيمة” بديلاً عن الشراكة، وبصورة أكثر حدّة وتجذرا.

صودرت الأراضي، نُهبت المؤسسات، أُقصيت الكوادر، وتحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للاستباحة المنظّمة تحت غطاء “شرعية الانتصار”.


في ظل هذه التعقيدات تدحرجت أزمة الجنوب والشرق في الفضاء السياسي اليمني، حتى انفجرت عام 2007 في صورة الحراك الجنوبي. لم يبدأ الحراك مشروعاً انفصالياً، بل حركة مطلبية عادلة، انطلقت من قضية المتقاعدين العسكريين والمدنيين الذين سُرّحوا وأُقصوا بعد حرب 94. ثم تطورت تلك المطالب إلى قضية سياسية، وتحولت المظلومية الفئوية إلى مظلومية اجتماعية عامة، تحمل في جوهرها سؤال الشراكة والكرامة والعدالة.


وهكذا أصبحت القضية الجنوبية قضية محلية متكاملة:

قضية شعب يشعر أن الدولة لم تعد دولته، وأن الوحدة لم تعد عقداً سياسياً عادلاً، بل أداة لإدامة الهيمنة.


غير أن التحول الأخطر جاء مع حرب 2015.

فهنا خرجت القضية الجنوبية من إطارها الوطني إلى فضاء الصراع الإقليمي. وفي ظل انهيار الدولة وتفكك المركز، دخلت قوى إقليمية لتعيد توظيف الجنوب لا لمصلحة أهله، ولا لإنصاف مظلوميته، بل لإدخاله في مشاريع نفوذ تتجاوز اليمن كله.


وفي هذا السياق برز الدور الإماراتي بوصفه دوراً مشبوهاً وخطيراً، دفع بالجنوب باتجاه الانفصال لا من أجل استعادة دولة جنوبية مستقلة القرار، بل لإعادة تموضعه داخل تحالفات إقليمية جديدة. تحالفات تتقاطع استراتيجياً مع المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي، بما يحوّل الجنوب إلى قاعدة متقدمة للكيان الإسرائيلي، على غرار ما يجري في القرن الإفريقي، وخاصة في الصومال وسواحله.


هنا لم تعد القضية الجنوبية قضية عدالة أو حقوق أو شراكة، بل تحولت إلى أداة في مشروع إقليمي يراد له أن يعيد رسم خرائط السيطرة والنفوذ في المنطقة. مشروع يوظف مظلومية الجنوب، لا لإنصافها، بل لاختطافها وإفراغها من مضمونها الوطني.


وفي هذه اللحظة الدقيقة والحاسمة، جاء التدخل السعودي بوصفه محاولة لمنع سقوط اليمن عموماً، والجنوب خصوصاً، في مخططات جهنمية تخدم المشروع الصهيوني في المنطقة. وبغض النظر عن تفاصيل الأداء أو أخطائه، فإن البعد الاستراتيجي لهذا التدخل يتمثل في قطع الطريق أمام تحويل الجنوب إلى كيان وظيفي مرتبط بمحاور معادية لهوية اليمن ولأمنه القومي العربي.


وهكذا أخذت القضية الجنوبية بعداً إقليمياً جديداً: لم تعد مجرد قضية داخل دولة فاشلة، ولا مجرد صراع على شراكة مكسورة، بل أصبحت ساحة صراع بين مشروعين:


مشروع يرى الجنوب جزءاً من اليمن، ومن عمقه العربي، ومن أمنه القومي.

ومشروع آخر يريد تحويله إلى قاعدة متقدمة لمصالح إقليمية ودولية تخدم الكيان الإسرائيلي.


وهنا تكمن المأساة الكبرى: أن تُختطف عدالة القضية الجنوبية، وتُحوَّل من قضية كرامة وحقوق وشراكة، إلى غطاء لمشاريع لا علاقة لها بالجنوب ولا بإنسانه، بل بتوظيف موقعه وثرواته وجغرافيته في صراعات لا ناقة لليمن فيها ولا جمل.

القضية الجنوبية ليست مجرد صراع داخلي أو أزمة دولة فاشلة، بل هي اختبار حقيقي لمستقبل اليمن وهويته وأمنه. إن إعادة توظيف مظلومية الجنوب في مشاريع نفوذ إقليمية تهدد السلام والاستقرار، يجعل من الضروري تعزيز الحلول الوطنية، وإعادة الحقوق، ومراجعة العلاقات الداخلية بما يضمن الشراكة العادلة، قبل أن يتحول الجنوب إلى أداة في يد الآخرين