لم أكن أرغب في الكتابة عن تجربة الأحزاب السياسية في حضرموت، ولكن فشل هذه الأحزاب في تحقيق قفزات تنموية واستقرار اقتصادي واجتماعي وثقافي كان أمرًا واضحًا، فما سبب هذا الفشل؟
في الخمسينيات من القرن الماضي، لم نكن نعرف سوى الحزب الوطني في حضرموت والمكلا، وكان هذا الحزب يفتقر إلى التنظيم إلا بعد حادثة القصر. حيث كان الحزب الوطني يطالب بحاكم وطني، ودخل المئات من المواطنين من المكلا إلى القصر، لكن الكارثة حدثت، إذ قُتل عددٌ من الحضارم وجرح آخرون على يد السلطات وعساكرها.
في الستينيات، انتشرت الأحزاب السياسية في العديد من الدول العربية التي حصلت على استقلالها من الاستعمار، بينما بقيت بعض الدول تحت الاستعمار، حيث شكلت أحزاب ناضلت من أجل الاستقلال، وحققت أهدافها، وصعدت قيادات هذه الأحزاب إلى أعلى هرم السلطة في البلاد المحررة، سواء في مصر أو الجزائر أو العراق أو تونس أو اليمن، شمالًا وجنوبًا.
لكن هل نجحت هذه الأحزاب في تحقيق ما كانت تنادي به؟
الواقع يروي أن الأحزاب تسلّمت السلطة، وأخذت تمارس ممارسات ضد الأنظمة السابقة التي سقطت، فمارست السلطات الحزبية ممارسات ثورية، مخالفَة للقانون في العديد من البلدان. أترك الحديث عن البلدان العربية بشكل عام، لكن سأركز هنا على مناطق عدن والمحمية الشرقية، وفي قلبها حضرموت.
تشكّلت عدة أحزاب في عدن، وانتقلت فروعها إلى حضرموت، وكان الطلاب المبتعثون للدراسة في الدول العربية هم الذين شكّلوا هذه الأحزاب وأحضروها إلى حضرموت. انتشرت عضوية الأحزاب بين الشباب والطلاب وموظفي الدولة، ومن أبرزها: حزب الشعب، حزب البعث، حزب جبهة التحرير، القوميون العرب، الناصري، الرابطة، والنقابات العمالية، وغيرها من الأحزاب.
ثم نشأت الجبهة القومية التي تكونت من عدة أحزاب ومنظمات في عدن، واتخذت الكفاح المسلح طريقًا لتحقيق الاستقلال، ثم صراعها مع جبهة التحرير، قادت إلى استقلال الجنوب وخرجت بريطانيا وسلمت السلطة للجبهة القومية بموجب مباحثات جنيف.
خضعت حضرموت للجبهة القومية بعد إسقاط السلطنات، وتم ضمها بالقوة إلى الدولة الوليدة. ومنعت عودة السلاطين، وأُلغيت نظامتهم، وانتهت بذلك السلطنة.
بعد استلام الجبهة القومية السلطة، أُنهِيَ جيش البادية، وطُرد كبار الموظفين الإداريين والأمنيين من الجيش والشرطة، وتم انتداب بعضهم إلى عدن، بينما بقي آخرون تحت سيطرة الحزب الحاكم. كما تم تعيين عدة مسؤولين من عدن في المناصب العليا في حضرموت، مثل سالم علي الكندي، العطاس فيصل، وغيرهم.
لكن بعد الانقلاب على الرئيس قحطان، اختلف النظام تمامًا، وبدأ التوجه نحو المعسكر الشرقي. وهكذا، شهدت حضرموت حكم الحزب الواحد، تنظيم الجبهة القومية، مع إجراءات اقتصادية ضد الملكية والتملك. تم التأميم، وحورب القطاع الخاص، وغادر العديد من التجار والمواطنين إلى الخارج.
في الداخل، أصبح الجميع موظفًا أو في السلك العسكري، حيث كانت هناك مزايا كبيرة مثل التعليم المجاني، والأمن القوي، لكن الكوارث السياسية والصراعات كانت تتوالى، من عام 1967 إلى 1969، ثم في 1978 واغتيال سالم ربيع علي، وصولًا إلى 1986، وبعد سقوط الأنظمة الشيوعية، لم يجد الرفاق خيارًا سوى الوحدة مع الشمال خوفًا من تكرار أحداث 1986.
نظرة تاريخية على الإدارة في فترة السلاطين
سألت العديد من معاصري السلاطين كيف كانت البلاد تُدار إداريًا وماليًا وعسكريًا، فأجابوا بأن كل مدينة كانت تحت حكم سلطان أو نائب له، والبلاد كانت مقسمة إلى ألوية، وكل مدينة كانت بها مجالس بلدية، وكان السلطان هو الحاكم الأول. كان هناك أمن واستقرار، ولم تكن هناك أحزاب.
وعندما سُئلت عن سبب المشاكل والصراعات في الدول التي تحولت إلى جمهوريات، كان الجواب أن الأحزاب هي السبب. فهذه الأحزاب كانت تتبع ولاءات خارجية، بعضها مع الغرب وبعضها مع الشرق، مما أفضى إلى النزاعات. ولذلك، كانت الأنظمة الملكية والسلطانية في الوطن العربي أكثر استقرارًا ونجاحًا، إذ كانت تسير الأمور بشكل أكثر تناغمًا في ظل قلة الانقسامات الداخلية.
الخلاصة :
إذا نظرنا إلى الواقع العربي منذ الاستقلال وطرد السلاطين، سنجد أننا في حضرموت وفي العديد من الدول العربية نعيش صراعات مستمرة، مع ما يصاحبها من فقر وتخلف. لذا، يبدو أن الأحزاب السياسية لا تصلح لأن تكون حاكمة في بعض الأحيان. في حضرموت، يجب أن يكون هناك نظام دستوري يحدد مهام الأحزاب إذا ما تشكّلت، أو حتى من دونها، في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.
هذا، والله من وراء القصد.