رحل عن دنيانا كثير من المناضلين الوطنيين الأوفياء، الذين التزموا بقضايا الوطن وحملوا هموم الجماهير الكادحة والمسحوقة، وتركوا خلفهم بصمات مضيئة من العطاء والتضحيات الجسام، سُطّرت في صفحات النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني، وضد مشاريع الهيمنة والاحتلال اليمني، لتبقى سيرتهم نبراسًا تهتدي به الأجيال.
ومن بين أولئك المناضلين، يبرز اسم المناضل علي سالم البيض، الإنسان الطيب، المتواضع، الشهم، الأصيل، المبدئي، وناكر الذات، طيب الذكر والسيرة. رجلٌ كرس حياته كاملة في خدمة قضايا شعبه، منغمسًا في همومه الوطنية والإنسانية، ومدافعًا عن القيم الثورية الجنوبية، وقابضًا على جمرة التحرر من الاحتلال اليمني حتى آخر أيام حياته، قبل أن يرحل وهو يحمل بين جنبيه أفكار ومبادئ الحرية والاستقلال.
عُرف الرئيس علي سالم البيض بمواقفه الصلبة وشجاعته في الدفاع عن حقوق شعب الجنوب، ورفضه القاطع لأي تسويات أو حلول تنتقص من إرادة شعبه أو تفرّط بتضحياته.
فقد اختار طريق النضال وتحمل تبعاته الثقيلة، على القبول بالظلم أو المساومة على القضايا العادلة، ليظل حاضرًا في الذاكرة الوطنية نموذجًا للقيادة الصادقة، والتضحية الخالصة من أجل الوطن.
لقد رحل آخر المناضلين، ورحل معه الحكيم السياسي، في أيام حالكة السواد، وكأن الفرح قد غاب منذ غيابه، كان خبر رحيله قاسيًا، أوقف الدمعة في عين المآسي، وزرع الحزن في القلوب.
لكنه، في المقابل، ترك فينا حب الوطن، وغرس فينا قيم العزة والكرامة. كان روح الشعب ونبضه، وكان علمًا ورمزًا، وقائدًا حمل همّ أهله وناسه.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء عما قدمه لوطنه وشعبه، رحل الجسد، وبقيت القضية، وبقيت الذكرى، وبقي الاسم حاضرًا في وجدان الأحرار.