بين ازقة عدن التي كانت يوما ما ملء السمع والبصر، وفي حضرة بحرها الذي شهد على عبور الحضارات، تدور اليوم رحى ملهاة سمجة، ابطالها حناجر صاخبة وشعارات ملونة، لا تسمن ولا تغني من جوع، فقد استمرأ البعض الوقوف خلف لافتات القماش، يقتاتون على الوعود المعبأة في زجاجات السراب، ويقايضون كرامة الفعل بذل التبعية العمياء، حتى غدت عدن، تلك المنارة التي لا تنطفئ، رهينة لكلمات منمقة تلقى من فوق المنصات، بينما الارض من تحتهم تئن من وطأة الاهمال والنسيان، انها مأساة مدينة ارادوا لها ان تكون مجرد صدى لصوت غيرها، يحركها الهتاف يمنة ويسرة، وكأن الانسان فيها قد الغي عقله واستعيض عنه بجهاز استقبال للتعليمات العابرة للحدود والنفوس.
لقد آن الاوان لعدن ان تنفض عنها غبار هذا الضجيج الزائف، وان تدرك ان السيادة لا تمنح كصدقة في مآدب الكلام، بل تنتزع بالعرق والكدح والضرب في مناكب الارض، فما قيمة الشعار الذي يمجد الحرية بينما يقبع المواطن في ظلام دامس تحت رحمة ميجاوات لا تأتي، وما جدوى الرايات التي ترفرف عاليا والماء يغور في جوف اليأس بعيدا عن افواه العطاشى، ان البطولة الحقيقية اليوم ليست في اعتلاء المنابر، بل في انحناء الظهر لاصلاح طريق، وفي عرق الجبين الذي يسيل لتشغيل مصنع، وفي يد تبني بصمت بينما الآخرون يثرثرون بضجيج، فعدن لا تحتاج الى مناضلين يحترفون الجلوس في المقاهي السياسية، بل تحتاج الى صناع يعيدون للميناء هيبته وللشارع مدنيته، بعيدا عن اوثان التبعية التي تجعل من القوم تبعا لكل ناعق.
ان الخروج من نفق التبعية يبدأ بكلمة لا في وجه كل من يبيع الوهم، وبالتفاف الناس حول المعول لا حول المذياع، فالتاريخ لا يكتب اسماء الهتافين في صفحات الخلود، بل يحفظ بصمات الذين غرسوا الفسائل في ارض قاحلة حتى اورقت، وعدن التي تعبت من دور الضحية ومن دور التابع، تتوق اليوم لان تكون هي المبتدأ وهي الخبر، في سردية يكتبها ابناؤها بعرقهم لا بمداد التزلف، وبإخلاصهم للارض لا بوفائهم للاشخاص، فالحرية الحقيقية هي كفاية الذات، والكرامة الوطنية هي ان يكون رغيف الخبز وصناعة القرار في يد صاحب الدار، لا في يد من يملي عليه الشعارات خلف البحار، فهل من رشيد يقلب الصفحة، ويضع حجر الاساس لعدن الفعل، لا عدن الشعار؟
بقلم/ مروان الشعبي