آخر تحديث :الثلاثاء-20 يناير 2026-05:40م

حين يختلّ معيار الاختيار كيف تعيق الترضيات السياسية بناء الدولة..؟

الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 11:29 ص
علي بلخشر

بقلم: علي بلخشر
- ارشيف الكاتب


بقلم: علي بلخشر


تمرّ اليمن اليوم بمرحلة مفصلية تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل من آلية اتخاذ القرار واختيار القيادات عاملًا حاسمًا في رسم ملامح المستقبل. فالدول، في لحظات التحول، لا تُقاس فقط بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على اختيار من يدير تلك التحديات بكفاءة ورؤية.




في المشهد السياسي الراهن، يبرز اعتماد متكرر على منطق التوازنات والترضيات عند شغل عدد من المواقع العامة. ورغم أن هذا المنطق قد يكون مفهومًا في البيئات الانتقالية المعقّدة، إلا أن تحوّله إلى قاعدة دائمة يثير إشكاليات حقيقية، خاصة عندما يتقدّم على معيار الكفاءة والخبرة. فبعض المواقع الحساسة أُسندت إلى شخصيات لم تُختبر بما يكفي في إدارة الملفات المعقّدة، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الأداء العام للمؤسسات.




الإشكالية هنا لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالنهج. فالدولة لا تُبنى بالولاءات المتحركة ولا بشخصيات تغيّر مواقعها تبعًا لموازين القوى، بل بمسؤولين يمتلكون رؤية واضحة وقدرة على الثبات واتخاذ القرار. وفي غياب هذا المعيار، تتحول بعض المناصب إلى أدوار إجرائية محدودة التأثير، بدل أن تكون أدوات فاعلة في صناعة القرار ومعالجة الأزمات.




ومع استمرار هذا النهج، تتآكل فرص التراكم المؤسسي، وتضعف قدرة الحكومة على إنتاج سياسات عامة فعّالة، ويصبح الأداء محكومًا بردود الأفعال لا بالتخطيط الاستراتيجي. والأسوأ من ذلك أن هذه الممارسات تنعكس سلبًا على ثقة الشارع، وتُضعف صورة الدولة بوصفها كيانًا قادرًا على الإدارة والإنجاز، لا مجرد إطار هشّ للتوافقات المؤقتة.




من منظور سياسي هادئ، تكمن المشكلة الجوهرية في غياب آلية واضحة وشفافة للاختيار، حيث تتقدّم الحسابات الآنية على الرؤية بعيدة المدى، ويتحول الإصلاح إلى شعار مؤجل بدل أن يكون مسارًا عمليًا. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الخطاب، بل بتغيير منهج القرار.




إن أي طريق جاد نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة يتطلب إعادة الاعتبار لمبدأ «وضع الشخص المناسب في المكان المناسب»، وبناء فرق عمل تعتمد على الخبرة والقدرة على الإنجاز، ضمن رؤية وطنية جامعة تتجاوز الاصطفافات الضيقة. فالدولة لا تُستعاد بالشعارات، بل بخيارات هادئة ومدروسة تعيد للمؤسسات معناها الحقيقي، وللثقة العامة مكانتها المفقودة .