آخر تحديث :الثلاثاء-03 فبراير 2026-07:12م

أرض الواحدي ذاكرة الأرض وهوية التاريخ ..

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 10:02 م
يسلم الحفشاء

بقلم: يسلم الحفشاء
- ارشيف الكاتب


ليست حضرموت مجرد رقعة جغرافية تحدها الخرائط، ولا اسماً عابراً في سجلات السياسة المتقلبة، بل هي روح وجذور ضاربة في عمق التاريخ، وكيان تشكل عبر قرون من الحضارة والسلطة و الاستقلال حضرموت كانت دولة قبل أن تعاد صياغة الأسماء، وكانت هوية قبل أن تفرض المسميات، وكانت تاريخا ناطقاً قبل أن يراد له أن يختزل في الهامش.


منذ قديم الزمان، امتد نطاق دولة حضرموت ليشمل أراضي واسعة، لم تكن تدار بعشوائية، بل بمنظومة سياسية واجتماعية متماسكة وكانت ميفعة، تلك المدينة العتيقة أول عاصمة لدولة حضرموت شاهدة على مرحلة مبكرة من التنظيم السياسي والحضاري، قبل أن تنتقل العاصمة إلى شبوة عرماء، التي أصبحت القلب النابض للدولة الحضرمية في مرحلة لاحقة، ومركزا للقرار والسيادة.


وفي هذا السياق التاريخي كانت مناطق الواحدي جزءاً أصيلاً من النطاق الجغرافي لدولة حضرموت، لا انفصال بينها ولا تناقض فالواحدي لم يكن كياناً طارئاً أو دخيلاً ، بل سلطة محلية نشأت ضمن الإطار الحضرمي العام، عرفت لاحقاً باسم سلطنة الواحدي، وهو اسم سياسي يعكس شكل الحكم لا انفصال الأرض أو الهوية.


غير أن التاريخ حين يقرأ بعيون السياسة لا بضمير الحقيقة يتعرض للتشويه فبعد مرحلة الاستقلال، أُعيد رسم الجغرافيا بأسماء جديدة وأُطلق مسمى شبوة على تلك المناطق لا بوصفه امتداداً تاريخياً لحضرموت، بل ككيان إداري منفصل، في تجاهل واضح للجذور العميقة التي تربط هذه الأرض بدولة حضرموت منذ فجر تاريخها.


وهكذا تم ضم سلطنة الواحدي إلى محافظة شبوة، لا بفعل تطور طبيعي بل نتيجة قرار سياسي فرض واقعاً جديداً، وطمس مسمى قديماً كان يحمل في حروفه تاريخاً من السيادة المحلية والانتماء الحضرمي الأصيل.


ومع مرور الزمن لم يكن هذا التغيير الإداري بريئاً أو معزولاً عن سياق أوسع، بل جاء ضمن سياسة شبيهة بتلك التي انتهجتها حكام الوحدة اليمنية بعد عام 1990، حين تحولت الوحدة من شراكة إلى سياسة ضم وإلحاق، ومن حلم جامع إلى واقع قسري، غايته السيطرة على الأرض و الاستحواذ على الثروات.


فكما احتل الجنوب تحت شعارات الوحدة، أُلحقت شبوة قسراً بمنظومة سياسية لا تعبّر عن تاريخها ولا عن إرادة أهلها، وأُصر على تصويرها كجزء تابع لهم ، في تجاهل صارخ لخصوصيتها الحضارية والجغرافية، ولمكانتها التاريخية ضمن دولة حضرموت.


إن ما حدث لم يكن مجرد إعادة تسمية بل إعادة صياغة للهوية، ومحاولة لقطع الصلة بين الأرض وتاريخها، وبين الإنسان وجذوره غير أن التاريخ لا يمحى بالقرارات، ولا تلغيه الخرائط المصطنعة، فحضرموت بتاريخها وحدودها وامتداداتها باقية في الذاكرة، راسخة في الوجدان عصية على الطمس والنسيان.


ستظل حضرموت دولة في معناها التاريخي، وإن غابت في مسماها السياسي، وستظل مناطق الواحدي جزءاً من هذا الامتداد الحضرمي الاصيل، مهما تغيرت الأسماء وتبدلت السياسات فالأرض تعرف أهلها والتاريخ لا يخذل من كتبه بدمه وعرقه وحضارته.