صلاح مبارك
لا يمكن تجاوز حقيقة أن مؤتمر حضرموت الجامع يُعدّ إحدى أبرز التجارب السياسية والمجتمعية في تاريخ حضرموت المعاصر، إذ شكّل إطارًا جامعًا التقت في ظله مختلف القوى والفاعلين السياسيين، إلى جانب أطياف المجتمع القبلي والمدني، على رؤية واحدة تهدف إلى رسم ملامح مستقبل حضرموت، وصون حقوقها المشروعة، وتعزيز مكانتها ودورها في المشهد الوطني.
وتنبع أهمية مؤتمر حضرموت الجامع، ومصدر قوته، من قدرته على استيعاب هذا التنوع الواسع تحت مظلة واحدة، والعمل على صهر الرؤى المتعددة في اتجاه يخدم المصلحة العامة، والبحث عن القواسم المشتركة التي تلبي تطلعات حضرموت وأهلها، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو التفرد، وبما ينسجم مع تطلعات المجتمع الحضرمي بمختلف مكوناته وانتماءاته.
في الثاني والعشرين من أبريل 2017م، انطلقت مسيرة مؤتمر حضرموت الجامع عقب تحضيرات مكثفة استمرت قرابة عام كامل، شارك فيها المئات من كوادر حضرموت من سياسيين واقتصاديين، ونخب اجتماعية وثقافية، وشخصيات اعتبارية وقبلية من الداخل والمهجر ، وقد أسفرت تلك الجهود عن طرح رؤى جديدة ومتنوعة عكست اتجاهات القوى السياسية والاجتماعية، وتمخض عنها إقرار وثيقة عامة ومخرجات حظيت بتوافق واسع، شكّلت مقياسًا حقيقيًا لحجم التطلع الشعبي نحو مشروع جامع يُعبّر عن إرادة حضرمية حرة، بعد عقود طويلة من التهميش والإقصاء.. وقد عُلّقت آنذاك آمال كبيرة على هذا الإنجاز، الذي حرص القائمون عليه أن يكون مشروعًا وطنيًا جامعًا، يعمل من أجل حضرموت وجميع أبنائها دون استثناء.
ورغم ما واجهته هذه التجربة من تحديات، وما تعرضت له من طعنات، وما شاب مسيرتها من قصور أو فتور في بعض المراحل، فإن ذلك لا ينتقص من قيمة مؤتمر حضرموت الجامع بوصفه تجربة رائدة وغير مسبوقة في سياقها المحلي والوطني، لا سيما إذا ما أُخذ في الاعتبار أن هذه التحديات لم تكن حكرًا عليه وحده، بل طالت معظم المكونات السياسية في مرحلة معقدة مرت بها البلاد، في ظل ظروف الحرب، وتشابك المشهد السياسي، وتعدد مراكز التأثير.
ومع الإقرار بأن ما تحقق حتى اليوم لم يرقَ إلى مستوى الطموحات الكبيرة لأبناء حضرموت، إلا أنه لا يمكن التقليل من حجم ما أنجزه مؤتمر حضرموت الجامع، سواء من حيث حضوره السياسي والإعلامي، أو من خلال تنظيمه لأنشطة وفعاليات متعددة، أبرزت ما تزخر به حضرموت من طاقات بشرية وكفاءات متميزة في مختلف المجالات. كما برزت مواقفه الصلبة ومشاركته الفاعلة إلى جانب حلف قبائل حضرموت في الحراك المجتمعي الواسع الذي شهدته حضرموت خلال العامين الأخيرين، والذي خرجت منه حضرموت أكثر تماسكًا وقوة.
لقد سجّل مؤتمر حضرموت الجامع حضورًا ملموسًا في مختلف المحافل المحلية والدولية، سعيًا لإيصال صوت حضرموت، والتأكيد على حقها في أن تكون شريكة وندًّا في أي تسوية قادمة بوصفها طرفًا مستقلًا. وهي خطوات تعكس مسارًا تراكميًا قابلًا للبناء والتطوير، غير أن المرحلة الراهنة والمقبلة تتطلب مزيدًا من الانفتاح على القوى والشخصيات الفاعلة، والتمسك بالرؤى والأهداف التي تخدم حضرموت، وتحقق تطلعات أهلها، وتحافظ على مصالحهم، بما يعزز من دور هذا الكيان كحامل سياسي ومجتمعي لطموحات الحضارم، وصوت معبّر عن تطلعاتهم في حاضرهم ومستقبلهم.