آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-03:28ص

هل نُربي أبناءنا… أم أنهم يُعيدون تربيتنا؟

الأحد - 18 يناير 2026 - الساعة 10:05 م
د. رشا الفقيه

بقلم: د. رشا الفقيه
- ارشيف الكاتب



د. رشا علي الفقيه


وقع في يد ابنتي جوري، ذات الأعوام الستة، كتابٌ موجَّه في مضمونه إلى الآباء والأمهات والمربين عمومًا. قرأته ببراءتها المعتادة، لكنها لم تمرّ عليه مرور العابرين. منذ ذلك الحين، باتت كلما أبديتُ ردّة فعل تجاه تصرّفٍ منها لا يُعجبها، تتجه بهدوء نحو المكتبة، ثم تعود بالكتاب، وتقدّمه لي قائلة:

«اقرئيه يا ماما».

تكرر الموقف مرتين، وفي الثالثة قالت بجدّية أربكتني:

«اقرئيه يا ماما، ضروريّ أن تقرئيه… لديكِ الكثير مما تحدّث عنه الكتاب».

في تلك اللحظة شعرتُ بحرجٍ صادق، وحين حاولتُ التخفيف من وقع الموقف بقولي إنني قرأته سابقًا، ردّت بثقة طفولية لاذعة:

«لا يا ماما، لا أظن أنكِ قرأتِه».

لم تكن كلماتها مجرد ملاحظة عابرة، بل كانت مرآة صافية وضعتها أمامي. عندها أدركتُ كم يمكن للأطفال أن يكونوا بوصلة أخلاقية لنا، وكم نغفل — تحت ضغط المسؤوليات وتسارع إيقاع الحياة — عن الإطار التربوي الذي يُفترض أن نحتويهم من خلاله.

أطفالنا لا يحتاجون إلى أوامر صارمة بقدر حاجتهم إلى وعي هادئ، ولا إلى ردود أفعال متسرعة بقدر حاجتهم إلى حضور حقيقي. عقولهم ما زالت في طور التشكّل، وقلوبهم أوسع من قدرتهم على التحليل والتبرير. هم بحاجة إلى ذهن صافٍ يُنصت، وتركيز عالٍ يُلاحظ، وصبرٍ يتعامل مع التفاصيل الصغيرة بوصفها عالمهم الكامل.

ومن أبسط ما يمكن أن نتعلّمه منهم: أن نُصغي قبل أن نُصحّح، فالفهم يسبق التوجيه. وأن نضبط انفعالاتنا، لأن الطفل يتعلّم من ردّة الفعل أكثر مما يتعلّم من الكلام. وأن نراجع أنفسنا باستمرار، فالتربية ليست سلطة بل علاقة متبادلة. وأن نعترف بأننا نخطئ، فذلك لا يُضعف صورتنا أمامهم، بل يُنضجها.

ربما نُربي أبناءنا بالفعل، لكن الحقيقة الأعمق أن أبناءنا — بصدقهم الفطري — يُربّون فينا ما ننساه: الهدوء، والإنصاف، والعودة إلى الإنسان الذي كنّا عليه قبل أن تُثقلنا الحياة.