آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-07:24ص

حين تغيب الفكرة يشرق الصنم

الأحد - 18 يناير 2026 - الساعة 02:39 م
خالد باعزب

بقلم: خالد باعزب
- ارشيف الكاتب


قراءة مستوحاة من فكر مالك بن نبي

يرى المفكّر الجزائري مالك بن نبي أن أزمة المجتمعات ليست في قلة الرجال ولا في شحّ الموارد، بل في اختلال عالم الأفكار. وقد صاغ ذلك عبر تحليله الشهير لثلاثة عوالم تحكم حركة المجتمع: عالم الأشخاص، عالم الأشياء، وعالم الأفكار. وحين يطغى الأدنى، يتعطل المسار الحضاري.

في عالم الأشخاص، تُختزل القضايا في فرد، وتُقدَّم الطاعة على الوعي، ويُستبدل النقاش بالتقديس. هنا لا تُقاس القيادة بإنجازها، بل بحجم الهالة المحيطة بها، ويصبح النقد تهديدًا لا ضرورة.

أما عالم الأشياء، فيمثل مرحلة لا تقل خطورة، حيث ينشغل المجتمع بالمظاهر والرموز: مبانٍ بلا مضمون، شعارات بلا برامج، وامتيازات تُقدَّم كدليل إنجاز. يكثر الاستهلاك ويغيب الإنتاج، وتُدار الدولة كواجهة لا كمؤسسة. وهو عالم يتوهّم التقدّم بينما يعيد إنتاج التخلف بلغة حديثة.

ويحذّر بن نبي من أن القفز إلى عالم الأشياء دون تأسيس فكري لا يصنع حضارة، بل يراكم خردة حضارية. فالأشياء، دون فكرة تضبطها، تتحول إلى عبء لا قيمة له.

أما عالم الأفكار، فهو المستوى الأعلى؛ حيث تُحاكم السياسات بالمبادئ، وتُبنى المؤسسات قبل الأشخاص، ويصبح الفرد خادمًا للمشروع لا بديلًا عنه. وفي هذا العالم فقط يمكن الحديث عن دولة، لا عن سلطة.

يقول مالك بن نبي: «حينما تغيب الفكرة يشرق الصنم». وحين يغيب عالم الأفكار، يتناوب عالم الأشخاص وعالم الأشياء على ملء الفراغ: تقديس للأفراد من جهة، وتضخيم للمظاهر من جهة أخرى.

هذا الإطار يفسّر واقعنا الجنوبي اليوم؛ حيث طغى الشخص على الفكرة، وتقدّمت الرمزية على الإنجاز، فكانت النتيجة إدارة مرتبكة، وخدمات منهارة، وتجربة سياسية بلا أفق واضح.

الخروج من هذا التيه — كما يقرره بن نبي — لا يكون بإسقاط أشخاص أو استبدال مظاهر، بل بالعودة إلى الفكرة: مشروع واضح، مؤسسات فاعلة، ومساءلة لا تستثني أحدًا.

حين تُستعاد الفكرة، يتراجع الصنم، وتفقد الأشياء سطوتها، ويبدأ المجتمع أولى خطواته خارج أزمته الحضارية.