لم تكن إقالة رئيس الوزراء سالم بن بريك حدثًا عابرًا في سياق سياسي مضطرب، ولا مجرد قرار إداري فرضته معطيات اللحظة، بل جاءت تتويجًا لصراع طويل بين نهجٍ حاول الاقتراب من هموم الناس ومصالحهم، ومنظومةٍ اعتادت إدارة الدولة بعقلية المصالح الخاصة وتقاسم النفوذ.
منذ توليه رئاسة الحكومة، بدا سالم بن بريك خارج إطار «الانسجام المطلوب» داخل مجلس القيادة الرئاسي.
لم يكن رجل تسويات، ولا واجهة قابلة للتوجيه، بل شخصية تنفيذية ذات حضور واضح، اصطدمت مبكرًا بمحاولات الاستحواذ على القرار الحكومي، وفرض الأسماء، والتحكم بالمفاصل السيادية، وفي مقدمتها المؤسسات المالية والإيرادية.
لم يُمنح الرجل المساحة الكافية لاختيار فريقه الوزاري، ولم تُتح له الفرصة الكاملة للعمل وفق رؤيته. ومع ذلك، حاول المضي قدمًا في ملفات شائكة وحساسة، اعتُبرت لدى مراكز النفوذ خطوطًا حمراء لا يجوز الاقتراب منها.
فتح ملف الإعاشة الكارثي، ووقف في وجه محاولات السيطرة على وزارة المالية، وعرقل العبث بالإيرادات العامة، وتجاوز قيودًا غير مكتوبة في ملف الدولار الجمركي وغيرها، وهي خطوات لم يكن من السهل تمريرها في بيئة ترى في الدولة غنيمة لا مسؤولية وطنية.
لم يكن الخلاف بين سالم بن بريك وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي خلافًا شخصيًا بقدر ما كان صراعًا بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى، ولو بحدوده الدنيا، إلى استعادة مفهوم الدولة، ومشروع آخر يقوم على إدارة التوازنات وحماية المصالح الضيقة، ولو على حساب الانهيار الشامل.
الصدمة التي أحدثها القرار لم تكن مرتبطة بشخص سالم بن بريك بقدر ما كانت مرتبطة بما كان يمثله لدى قطاع واسع من اليمنيين.
فقد رأى فيه كثيرون أملًا أخيرًا لكسر حلقة الأزمات المفتعلة، وإيقاف مسلسل الفساد والفشل الذي لازم «الشرعية» لسنوات.
غادر سالم بن بريك رئاسة الحكومة، لكنه لم يغادر المشهد السياسي. خرج محتفظًا برصيده المعنوي، وبصورة المسؤول الذي حاول أن يعمل في بيئة معادية للإصلاح.
اليوم، لم يعد السؤال: لماذا أُقيل سالم بن بريك؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيُمنح رئيس الوزراء الجديد شائع الزنداني الصلاحيات الكاملة، والدعم الحقيقي، والمساندة الفعلية من مجلس القيادة الرئاسي؟
أم أنه سيكون مجرد واجهة جديدة تُدار من خلفها صراعات الماضي، وتُعاد من خلالها إنتاج السياسات ذاتها التي قادت البلاد إلى هذا المأزق؟
التجربة القريبة تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في الأشخاص، بل في غياب الإرادة السياسية، وفي تحويل رئاسة الحكومة إلى منصب منزوع الصلاحيات.
فإذا لم يُمكَّن الزنداني من الاستقلال في القرار، وحرية اختيار فريقه، وحماية خطواته من مراكز النفوذ، فلن يكون سوى حلقة جديدة في سلسلة الإخفاق، وسيدفع الشعب مرة أخرى ثمن صراع لا علاقة له بمصالحه ولا بمعاناته.
وحدها الأيام ستكشف إن كانت إقالة سالم بن بريك بداية تصحيح لمسار مختل، أم مجرد خطوة أخرى لإعادة إنتاج أزمة لا تنتهي.