آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-12:29م

بن بريك رجل المرحلة وبلا منازع

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 07:08 م
د. عبدالسلام الصيادي

بقلم: د. عبدالسلام الصيادي
- ارشيف الكاتب


قبل أربعة أشهر من الآن، لم يكن أحد يتوقع أن تشهد أروقة القرار المالي تلك الهزة العنيفة التي أحدثها رئيس مجلس الوزراء الأستاذ سالم بن بريك. لقد كانت لحظة فارقة تجاوزت حدود الإصلاح الإداري، لتتحول إلى معركة كسر عظم حقيقية، انتزع فيها بن بريك القرار السيادي من بين أنياب إقطاعيات مالية ظنت لسنوات أنها فوق الدولة وفوق القانون. تخيلوا معي أنه نجح في تقليص فجوة الإنفاق العبثي من 700 ألف إلى 400 ألف خلال أسبوع واحد فقط.


ولم يكتفِ بن بريك بترميم التصدعات، بل ذهب مباشرة إلى جذور المشكلة، محطماً منظومة الصرف العبثي التي كانت تستنزف ما تبقى من رمق في جسد الوطن، حيث أظهر وأوضح وأوقف، بقرار شجاع، نزيف سرقة المواطن الممنهج من بعض تلك المؤسسات الحكومية التي أبت أن تورد إلى البنك المركزي. وبإرادة سياسية فولاذية، أجبر بن بريك المؤسسات المتغطرسة التي كانت تظن نفسها «فوق الدولة» على الخضوع لسلطة البنك المركزي، وإجبارها على توريد إيراداتها، قاطعاً أذرع التمويل غير المشروع التي كانت تغذي الانقسام وتُضعف جسد الدولة، ومعيداً الاعتبار لهيبة الخزينة العامة التي استُبيحت طويلاً تحت مبررات واهية.


تخيلوا معي أن الوقوف في وجه القوة المسيطرة على الأرض (كالانتقالي)، وكشف الثقوب التي تتسرب منها مليارات الدولة شهرياً، هو انتحار سياسي بحد ذاته، وبطولة وطنية سيخلدها التاريخ.


لكن الضربة الأكثر إيلاماً لمراكز النفوذ جاءت حين تجرأ رئيس الوزراء على تعرية كشوفات الإعاشة الدولارية، تلك الكشوفات التي كانت تُصرف تحت لافتة «عدن ليست آمنة»، بينما كانت في الحقيقة ثقباً أسود يبتلع مقدرات البلاد لعقد كامل.


إن ما أنجزه بن بريك في هذه المدة، وما تلاه من ثبات على الموقف طيلة الأشهر الأربعة الماضية، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه رجل المرحلة بلا منازع. لقد اختار الطريق الصعب، وواجه الحيتان في عقر دارهم، وانتصر للمواطن البسيط في معركة كانت تبدو خاسرة.


القيادة حينما تتحول من أقوال إلى أفعال، تغيّر مجرى التاريخ.