آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-11:18م

رشاد العليمي… لحظة هدوء تعيد ترتيب الدولة

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 02:40 م
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب



لم يعد المشهد اليمني يُدار بمنطق الارتجال ولا بمنهج ردّ الفعل، فمع اكتمال عناصر الصورة، دخلت القيادة مرحلة مختلفة قوامها التقدير الهادئ والتصرف المحسوب في هذا السياق، يظهر الرئيس الدكتور رشاد العليمي وقد تجاوز مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة الإمساك بخيوط اللعبة حيث لم يعد الوقت عبئًا ضاغطًا، بل عنصر قوة يُستخدم لصالح الدولة، ولم يعد الوضوح مجرد خطاب سياسي، بل ممارسة عملية تُقاس بما يُنجز لا بما يُقال.


ما جرى مؤخرًا لا يمكن عزله عن هذا التحول العميق في إدارة الدولة. فالأحداث لم تأتِ نتيجة اندفاع أو رغبة في إحداث ضجيج سياسي، بل جاءت كجزء من مسار مدروس، يُعيد ترتيب المشهد بهدوء ويمنع الانزلاق إلى صدامات مفتوحة. هنا لا تبحث القيادة عن المواجهة، بل تسحب مبرراتها، ولا تلاحق التصعيد، بل تُفرغه من محتواه، فتجعل من التوتر عبئًا على من يصنعه لا على الدولة التي تحتويه.


إن القرارات الأخيرة، وفي مقدمتها تعيين شائع ابن الضالع، تحمل دلالات تتجاوز الإطار الإداري الضيق فهي إعلان صريح بأن مؤسسات الدولة فاعلة، وأن الشرعية ليست عنوانًا معلقًا في الهواء، بل سلطة قادرة على ممارسة صلاحياتها كامله كما أنها رسالة واضحة بأن أي محاولة للخروج عن هذا الإطار، مهما ارتدت من شعارات أو احتمت بعناوين مناطقية وسياسية، ستبقى بلا غطاء، لأن القانون لا يعترف إلا بالدولة، ولا يمنح شرعية لمن ينازعها من خارجها.


بهذا الفعل تم تقويض مساحة واسعة كانت تُستغل لإعادة إنتاج الفوضى وتغذية الاحتقان، سواء عبر تحريك الشارع أو عبر تدخلات خارجية تبحث عن ثغرات تنفذ منها لقد أُعيد ضبط الإيقاع الداخلي على أساس السيادة الوطنية، لا على منطق الوصاية أو توازنات الأمر الواقع، وأصبح القرار اليمني أكثر تماسكا وقدرة على حماية نفسه من الابتزاز السياسي

رشاد العليمي، في تعاطيه مع هذا المشهد المعقد، لم يتصرف كزعيم يبحث عن نصر سريع، بل كسياسي يدرك أن الصراعات طويلة النفس تُحسم بالتراكم لا بالاندفاع فهو يقدّم خطوة محسوبة حين يجب التقدم ويؤجل أخرى حين يكون التراجع جزءًا من الخطة لا علامة ضعف ويمنح الزمن دوره في كشف تناقضات خصوم الدولة واستنزاف أوراقهم. هذه المقاربة الهادئة جعلت الخصم يتحرك في مساحة أضيق، بينما توسعت مساحة الدولة دون ضجيج.


على الصعيد الداخلي بدأت معالم توازن جديد تتشكل، توازن يستند إلى حضور الدولة كمظلة جامعة لا كطرف في صراع وعلى الصعيد الخارجي، وصلت رسالة واضحة مفادها أن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة للتجاذبات، بل دولة قادرة على قراءة ما حولها وضبط مسارها، وإغلاق الثغرات التي طالما نُفذ منها العبث.


هذه اللحظة ليست مجرد إجراء سياسي، بل علامة فارقة في مسار القيادة لحظة تؤكد أن هناك من يعرف ماذا يريد، ويُدرك متى يتحرك، ويختار كيف يحقق أهدافه دون استعراض فالرئيس رشاد العليمي اليوم لا يطفئ حرائق متفرقة، بل يعيد رسم المشهد من جذوره، ويبرهن أن الدولة حين تُدار بعقلانية وثبات، تستطيع استعادة زمام المبادرة مهما بدا الطريق معقدًا وطويلاً.


محمد العنبري