آخر تحديث :الأربعاء-04 مارس 2026-07:00ص

جنوب اليمن.. حين يعود التاريخ إلى طاولة مجلس الأمن..

الخميس - 15 يناير 2026 - الساعة 11:09 ص
رائد الجحافي

بقلم: رائد الجحافي
- ارشيف الكاتب


في السياسة، هناك لحظات لا تعلن عن نفسها بضجيج، لكنها تسجل لاحقاً كنقاط انعطاف، وإحاطة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن حول اليمن، في ظاهرها، لا تبدو واحدة من تلك اللحظات، غير أن التوقف عند ما قيل عن جنوب اليمن، وما لم يقل، يكشف أننا أمام إعادة إدراج للتاريخ في معادلة الحاضر..

فجنوب اليمن، الذي جرى التعامل معه طويلاً باعتباره تفصيلاً داخل أزمة أكبر، عاد فجأة إلى النص، لا في الهامش، ولم يعد ذكره مقروناً بالصيغة القديمة، “ضمن الحل الشامل”، بل باعتراف صامت بأن هذا “الشامل” لا يستقيم من دونه..


حين كان الجنوب دولة وحين صار سؤالاً لا يمكن قراءة الخطاب الأممي الأخير دون استدعاء حقيقة تاريخية بسيطة، هي أن الجنوب لم يولد قضية، بل كان دولة..

دولة خرج منها الاستعمار البريطاني عام 1967، ودخلت منذ ذلك التاريخ في تجارب قاسية من الصراع الداخلي، قبل أن تُدفع ـ سياسياً لا شعبياً إلى وحدة لم تبن على توازن، ولا على شراكة، بل على استعجال..

ومنذ العام 1990، ثم 1994 تحديدا، لم يحل سؤال الجنوب، بل جرى تأجيله بالقوة، وباجتياح الجنوب والتاريخ، كما علمنا، لا يقبل التأجيل طويلاً..


الإحاطة الأممية الأخيرة كانت حذرة، وربما أكثر مما ينبغي.. لم تعلن مواقف، لكنها رسمت حدوداً، لا فرض بالقوة، لا تمثيل أحادي، ولا قفز على التعدد الجنوبي، وهذه العبارات، لمن يعرف لغة الدبلوماسية، ليست توصيات أخلاقية، بل تشخيصاً لأسباب فشل كل التسويات السابقة..

الأمم المتحدة هنا لا تبتكر موقفا، بل تعترف -دون أن تقول ذلك صراحة- بأنها اصطدمت في اليمن بحقائق لم تحسب حسابها جيدا، ابرزها، جنوب له سياسته المستقلة، وهوية لم تمح بالحروب، ولا بالقرارات الدولية..


وفي ميزان الجغرافيا السياسية ما تغير اليوم ليس الجنوب وحده، بل العالم من حوله، البحر العربي لم يعد بحراً بعيداً، وباب المندب لم يعد ممراً هامشياً، وسواحل الجنوب لم تعد خارج حسابات التجارة والأمن والطاقة.. ولهذا، فإن أي اضطراب في الجنوب لم يعد يُقرأ بوصفه شأناً محليا، بل كخلل في شبكة مصالح دولية واسعة..


من هنا، يمكن فهم لماذا بدا الخطاب الأممي أكثر اهتماما بالجنوب، وأقل استعداداً لتركه ينفلت سياسياً أو عسكرياً، فالعالم لا يخشى مطالب الجنوب بقدر ما يخشى انفجارها خارج السياسة..


رحبت الإحاطة بالحوار الجنوبي، لكن بقدر محسوب من الحذر وكأن المجتمع الدولي، الذي شهد تجارب انفصال وصراعات في أماكن أخرى، يريد أن يقول، نحن نسمعكم، لكننا لن نغامر بالاعتراف قبل أن نرى..


فالحوار، في المنظور الأممي، ليس إعلان نوايا، بل اختبار قدرة، قدرة على إدارة الخلاف، وصياغة رؤية، وتقديم مشروع لا يقوم فقط على المظلومية، بل على تصور واقعي للمستقبل..

ومن منطلق ومنطق أن التاريخ لا يمنح شيكات على بياض، في جوهر الإحاطة، كانت هناك رسالة قديمة في معناها، جديدة في توقيتها، تقول، لا أحد سيحمل القضية الجنوبية إلى العالم إذا لم يحملها الجنوبيون أولاً إلى أنفسهم، فالتاريخ لا يمنح شيكات على بياض، والسياسة لا تعترف إلا بمن يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه..


بصراحة جنوب اليمن عاد إلى الطاولة، لا كقضية إنسانية، ولا كمطلب احتجاجي، بل كملف سياسي مؤجل آن أوان فتحه، لكن العودة إلى الطاولة لا تعني الجلوس في الصدارة تلقائياً.. فهذه لحظة اختبار، وليست لحظة انتصار..

والسؤال، الذي سيظل مفتوحاً كما تركه الخطاب الأممي هو، هل يعترف العالم بالجنوب؟

بل، هل ينجح الجنوب في تقديم نفسه للعالم كحقيقة سياسية ناضجة، لا كذاكرة جريحة فقط؟

التاريخ، هذه المرة، ينظر… ولا ينتظر طويلاً..

والكرة في ملعب الجنوبيين فقط وعليهم إثبات قدراتهم في إقامة دولة مستقلة..