يمرّ اليمن اليوم بمرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات السياسية والعسكرية مع إعادة تشكيل موازين القوى في الداخل والإقليم ، وهو ما يجعل الحاجة إلى خطاب عقلاني مسؤول أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فالمجتمعات التي تعيش فترات انتقالية معقّدة لا يمكن أن تُقاد بالعاطفة أو بالشعارات ، بل تحتاج إلى وعي جمعي يستند إلى الفهم والتحليل والقدرة على التمييز بين المصالح الوطنية والمشاريع العابرة أو الضيقة.
لذلك فإن استقرار اليمن ليس ملفًا سياسيًا عابرًا ، بل هو جزء من منظومة الأمن الإقليمي وأحد أعمدة الاستقرار في شبه الجزيرة العربية، ولهذا فإن المقاربة السعودية تجاه اليمن خلال المرحلة الراهنة تقوم على دعم مسار الدولة ، وترسيخ المؤسسات الشرعية ، واحتواء الفوضى والتشظي ، بما يضمن عدم تحوّل اليمن إلى ساحة صراعات مفتوحة أو منصة تهديد للأمن الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، يبرز الخطاب العقلاني كأداة استراتيجية لا تقل أهمية عن الجهد السياسي أو الأمني فهو الذي يساهم في تشكيل رأي عام قادر على قراءة التحولات الجارية بعيدًا عن التضليل أو الاستقطاب، ويمكّن المواطن من فهم ما يجري في بلاده ضمن إطار المصالح الوطنية العليا ، لا وفق الاصطفافات الآنية أو التعبئة العاطفية والتي سرعان ما انهارت ، فالرأي العام الواعي هو الحصن الأول في مواجهة محاولات العبث بالوعي الجمعي ، سواء عبر خطاب الكراهية والمناطقية أو عبر تزييف الحقائق أو عبر استغلال المظلومية لأغراض سياسية،
لقد أثبتت التجربة أن الخطاب المتشنج والمشحون أيديولوجيًا أو مناطقياً لا ينتج حلولًا ، بل يضاعف الانقسامات ويعمّق فجوة الثقة بين مكونات المجتمع، بينما الخطاب العقلاني القائم على الواقعية السياسية والاعتراف بتعقيدات المشهد هو وحده القادر على فتح مسارات للحوار والتسوية.
ومن هذا المنطلق، فنرى ان المملكن العربية السعودية تدعم كل خطاب يمني يعزز منطق الدولة ، ويقدّم المصلحة العامة على الحسابات الفئوية اوالمناطقية، ويرفض تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي يهدد المركز القانوني للدولة .
كما أن التحولات الاستراتيجية التي يشهدها الوطن اليوم، سواء على مستوى إعادة ترتيب القوى أو استعادة الدولة لدورها في عدد من المناطق أو انحسار المشاريع الخارجة عن منطق الدولة ، تتطلب خطابًا إعلاميًا وسياسيًا يتعامل مع هذه التطورات بوعي ومسؤولية، فالمبالغة في التهويل أو التهوين كلاهما يضر بالاستقرار، بينما التحليل المتزن يساعد على بناء ثقة المجتمع بمسار التعافي السياسي والأمني .