رغم ما قد يبدو من تراجع للمجلس الانتقالي في بعض الحسابات السياسية الورقية، إلا أن واقع الأرض يفرض منطقاً مختلفاً تماماً. ففي أعراف القانون الدولي ولغة الصراع العسكري، يظل المسيطر ميدانياً هو صاحب الكلمة العليا في إدارة شؤون المحافظات. وطالما لا يزال الانتقالي يمسك بزمام الأمور إدارياً ولوجستياً في عدن وشبوة والضالع ولحج، فإنه يظل الرقم الصعب في المعادلة.
الانتقالي اليوم يعيد صياغة حضوره بذكاء سياسي، محاولاً إثبات مشروعيته كصاحب قضية أمام المجتمع الدولي عبر الحشود المليونية في العاصمة عدن، وتأكيد فاعليته من خلال اجتماعات فروعه التنظيمية، مع الإبقاء على هويته البصرية والسياسية ترفرف فوق المعسكرات وعلى صدور القادة العسكريين، كرسالة صريحة بجاهزيته للدفاع عن مكتسباته.
من هنا، يبرز الخلل الجوهري في استراتيجية الدكتور رشاد العليمي، ليس في محاولة إيجاد بديل، بل في نوعية ذلك البديل الذي يبدو رافضاً لفكرة المواجهة أو الحسم، منطلقاً من اعتبارات "أبناء الجلدة الواحدة"، وهو ما يورث فشلاً بنيوياً في أي مشروع يهدف للإخلال بالتوازن العسكري أو السياسي القائم.
الضرورة الوطنية تقتضي البحث عن بديل يمتلك قناعة راسخة بأن رؤية الانتقالي الحالية قد لا تلبي تطلعات الشعب الشاملة، وأن فكره لا ينسجم بالضرورة مع متطلبات بناء دولة اتحادية مستقرة. وهنا تبرز "الموفوبيا" السياسية التي تعشش في صدور أصحاب القرار تجاه الكوادر والقوى الفاعلة من أبناء أبين المنتمين للشرعية؛ إذ إن استمرار تهميشهم وعدم إشراكهم كبديل واقعي وقادر على فرض السلام وتثبيت مؤسسات الدولة، سيؤدي حتماً إلى دفع ثمن باهظ، وستكون الوحدة هي الضحية الأولى لهذه الأخطاء الاستراتيجية غير المبررة، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة تتجاوز قدرة الجميع على السيطرة.