آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-12:39م

الحوار الجنوبي–الجنوبي: استعادة القضية من الفراغ السياسي

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 11:10 ص
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


بقلم: أحمد الدثني


تأتي الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي برعاية المملكة العربية السعودية في لحظة دقيقة، حيث يبرز الفراغ السياسي أكثر من الصراع العسكري، وتتراجع الشعارات أمام الحاجة إلى أطر جامعة قادرة على تحويل القضية الجنوبية إلى مشروع سياسي واقعي.

يشهد الجنوب اليوم تغيّرات عميقة، أبرزها ما يُتداول عن خلافات داخلية في المجلس الانتقالي الجنوبي، وتغيرات ميدانية وإدارية أعادت رسم خريطة النفوذ في المحافظات الجنوبية. هذه التحولات، مهما كانت نتائجها، لا تعني سقوط القضية الجنوبية، لكنها تكشف خللًا في اختزال قضية تاريخية واسعة في كيان سياسي واحد.

القضية الجنوبية لا تموت بسقوط الحامليها

القضايا العادلة لا تموت بسقوط أو غياب حامليها، لكنها قد تدخل في حالة تيه حين تُدار بعقل التنظيم لا بعقل الدولة، أو حين يُربط مصيرها بأشخاص وهياكل قابلة للتفكك. والقضية الجنوبية أكبر من أي مجلس أو قيادة، وأعمق من أن تُختزل في تجربة واحدة مهما كان حضورها.

ولو كان الحوار الجنوبي–الجنوبي جادًا، فلا بد أولًا من الإجابة على سؤال محوري: ما هي القضية الجنوبية التي نجتمع من أجلها؟

في جوهرها، ليست شعارًا، ولا فصيلًا، ولا كيانًا بعينه، بل قضية سياسية–حقوقية نشأت عن اختلال الدولة بعد الوحدة، وتحولت عقب حرب 1994 إلى مظلومية مست الشراكة والعدالة والحقوق، وأقصت الجنوبيين عن دورهم كشركاء في السلطة والثروة. ومن هنا برزت مطالبتهم بإعادة صياغة علاقتهم بالدولة على أساس المساواة وحق تقرير المصير.

هذا التعريف لا يحسم المسارات النهائية، لكنه يضع أرضية مشتركة للحوار ويمنع اختزال القضية في شعارات جاهزة.

المظلومية الجنوبية في سياقها الوطني

إن المظلومية التي دفعت الجنوبيين إلى رفع سقف مطالبهم لم تكن حكرًا عليهم وحدهم؛ فكثير من اليمنيين في الشمال عانوا من الإقصاء وسوء الإدارة. لكن خصوصية الجنوب تكمن في كونه دولة سابقة، عرفت تجربة إدارية أكثر انضباطًا، وعاش الناس فيها على قاعدة أقرب للمواطنة المتساوية، إضافة إلى رقعة جغرافية واسعة وثروات طبيعية، جعلت فكرة الاستقلال تبدو حلًا سياسيًا ممكنًا لدى شريحة واسعة، لا مجرد حنين عاطفي إلى الماضي.

الحوار لإعادة تعريف المشروع

الحوار الجنوبي–الجنوبي لم يعد مجرد تنافس على التمثيل، بل إعادة تعريف المشروع الجنوبي:

ما هي القضية بصيغتها الواقعية اليوم؟

من يمثل الجنوب، وبأي تفويض؟

وكيف يمكن الانتقال من الشعارات إلى الحلول؟

وأخطر ما قد يواجه الحوار هو احتكار التمثيل أو التعامل مع الجنوب ككتلة واحدة. فالجنوب بتنوعه الجغرافي والاجتماعي والسياسي – من عدن إلى حضرموت، ومن المهرة إلى شبوة، ومن أبين إلى لحج – لا يمكن أن يُدار إلا بمنطق الشراكة الكاملة.

أي حوار جاد لا بد أن يشمل جميع المحافظات الجنوبية دون استثناء، بوصفها أطرافًا أصيلة في صياغة المستقبل، لا ساحات نفوذ.

دور المملكة

رعاية المملكة للحوار تمثل عامل توازن ضروري، لا بوصفها وصية على القرار الجنوبي، بل كراعٍ سياسي وأمني يوفّر بيئة هادئة ويمنع انزلاق الخلافات إلى صدام داخلي جديد. استقرار الجنوب يشكل ركيزة أساسية لأمن الإقليم، وأي مقاربة واقعية لا بد أن تنطلق من هذه الحقيقة دون توظيف سياسي أو مزايدات.

مخرجات مطلوبة

نجاح الحوار مرهون بمخرجات عملية، أهمها:

إطار سياسي انتقالي ينظم المرحلة ويمنع الفراغ.

آلية تمثيل جنوبية شاملة تعكس التعدد الحقيقي للمحافظات والقوى.

رؤية واقعية لمستقبل الجنوب، داخل الدولة أو عبر مسارات سياسية متوافق عليها.

تحييد السلاح عن الخلاف السياسي، باعتباره أخطر مهدد لأي توافق.


الجنوب اليوم يحتاج إلى استعادة المعنى السياسي لقضيته، لا مزيد من الاصطفافات.

القضية الجنوبية ستبقى ما بقيت أسبابها، ونجاحها مرهون بتحويل الاحتجاج الدائم إلى مشروع سياسي جامع ورؤية مسؤولة تُنقذ الجنوب من الفراغ قبل فوات الأوان.