على مدى عشرة أعوام، خاضت الشقيقة الكبرى حربها في اليمن تحت لافتة التحرير ومواجهة الحوثي، غير أن تلك الجهود الطويلة انتهت إلى حصيلة هزيلة؛ [تمخّض الجبل فولد فأرًا] فبدل الحسم، انتهى المسار إلى مصالحة مع الحوثي بوساطة عُمانية، لتغلق صفحة الحرب دون أن تُكتب لها خاتمة نصر.
في المقابل، كانت الشقيقة الصغرى تسلك مسارًا مختلفًا. حيث قدّمت في الشمال خمسين شهيدًا من خيرة أبنائها، وأسست في الجنوب قوات جنوبية صلبة، استطاعت الشقيقة الصغرى أن تفرض نفسها كقوة منضبطة وفاعلة في مواجهة قوى التطرف. واصبحت طرف معتمد وموثوق به دوليًا في ملف مكافحة الإرهاب،
ولو حملت تلك القوات الجنوبية في باطتها مشروعًا وطنيًا خاصًا تمثّل في قيام كيان سياسي هو: المجلس الانتقالي الجنوبي. ذالك لم يكن يهم الشقيقة الصغرى كونه شأن جنوبي خاص -مايهمها هي ان القوات الجنوبية صمام امان معتمد وموثوق في مواجهة الارهاب والتطرف في الجزيرة العربية .وهنا بدأت ملامح التباينات، ثم الصدام غير المعلن.بين الحليفين
لحظة الإرباك الكبرى
حين بسط المجلس الانتقالي نفوذه على حضرموت والمهرة، وأحكم سيطرته على الجنوب كاملًا، مطيحًا بالمعسكرات الشمالية، ومعلنًا ما يمكن تسميته بـ«الاستقلال الأول»، دخل الإقليم مرحلة ارتباك حقيقي. هذا التحرك فاجأ أطراف التحالف، فبادرت – بإيعاز من الشقيقة الكبرى – إلى إرسال وفد للمجلس لمناقشة انسحابه من حضرموت والمهرة. غير أن المجلس رفض أي نقاش يتضمن سحب قواته، معتبرًا ذلك مساسًا بجوهر مشروعه.
بالنسبة للشقيقة الصغرى، لم يكن انسحاب المجلس أو بقائه مسألة جوهرية؛ فالقضية جنوبية خالصة. ما كان يهمها هو أن المجلس حليف استراتيجي، وشريك موثوق، وصمام أمان في مواجهة الإرهاب، وربما في مواجهة الحوثي مستقبلًا إذا فُتحت الحرب مجددًا بإيعاز دولي.
إفلاس سياسي وحرب بالوكالة
أما الشقيقة الكبرى، فقد وجدت نفسها مفلسة سياسيًا في اليمن، أمام المجتمع الدولي ودول الإقليم. ولم يكن مقبولًا أن تخرج من الجنوب بلا مكاسب. وبما أنها عاجزة عن مواجهة طرف دولي معتمد مثل الشقيقة الصغرى، فقد لجأت إلى الحرب بالوكالة، مستخدمة قوى «الشرعية» برئاسة رشاد العليمي لمحاولة طرد نفوذ الشقيقة الصغرى من الجنوب، تمهيدًا للانفراد بالمشهد. ثم انتقلت إلى مرحلة أكثر مباشرة: قصف قوات المجلس الانتقالي والتهديد العلني إن لم ينسحب من حضرموت والمهرة.
سياسة الانسحاب لا الصدام
الشقيقة الصغرى، بوصفها دولة مؤسسات وقانون، وذات خبرة طويلة في إدارة الصراع، اختارت الخروج من اليمن من دون صدام مباشر مع الشقيقة الكبرى. تركت الساحة لها، وفضّلت السياسة على المواجهه الغير مثمرة -قوبل هذا الانسحاب بحملة إعلامية شرسة لتشويه صورة الشقيقة الصغرى من قبل الشقيقة الكبرى ، لكنها رغم ذالك آثرت الصمت وعدم الرد.
وحين لم تجد الحملة صدى، انتقل التصعيد إلى قصف القوات الجنوبية الموالية للشقيقة الصغرى، ثم إلى الدعوة لقيادات المجلس الانتقالي للحوار بلغة التهديد: إما أن تحاورونا وتخضعوا، أو نضرب قواتكم ونغتالكم من تحت أقدامكم.
حوار تحت النار
ذهب المجلس الانتقالي إلى الحوار وهو تحت القصف، مدركًا أنه ليس ندًا عسكريًا للشقيقة العملاقة. تعمّد رئيسه عيدروس الزبيدي عدم الحضور، ليبقي خط رجعة في حال فشل الحوار. اعتُبر هذا الغياب إهانة كبرى، للشقيقة الكبرى فجاء الرد بقصف هستيري على مسقط رأسه في الضالع، في رسالة سياسية أكثر منها عسكرية.وعندما لم ينالوا منه عملوا على اقصائه من مجلس الرئاسة وتشويهه ووصفه بالهارب
أما الأعضاء الذين حضروا الحوار، فقد مورست عليهم سياسة ليّ الأذرع. لم يكن الهدف خلق عداوة مع الجنوب، بقدر ما كان السعي إلى إخضاعه عبر قياداته. فالشقيقة الكبرى تدرك أن تجاوز الجنوب وقواته ليس في صالحها، لأنهم يشكّلون صمام أمان إقليميًا في مواجهة التطرف والإرهاب.
ما الذي تريده الشقيقة الكبرى؟!
ما تريده الشقيقة الكبرى باختصار:
أن يكون المجلس وقواته مواليين لها، لتكسب حضورًا دوليًا وزخمًا سياسيًا في ملف مكافحة الإرهاب، وأن يصبح الجنوبيون يدها الضاربة في ذالك أمام العالم. وايضا في مواجهة الحوثي إن فشلت المفاوضات معه او ان حصلت حرب مستقبليه عليه بإيعاز دولي.-إنها بكل المقاييس – حالة إفلاس سياسي، تبحث عن إنقاذ وخروج من المشهد بوجه مشرف بأي ثمن.
لماذا كان حلّ المجلس ضرورة؟
من هنا، بات حلّ المجلس أو إعادة تشكيله أمرًا ضروريًا لتحقيق هذا الهدف. فتم الدفع بمسودة تنص على حل المجلس وهيئاته تحت عنوان «الحوار الجنوبي الجامع»، مع أن المجلس – في الأصل – كان قد فتح ذراعيه لكل الجنوبيين دون إقصاء.
الشقيقة الكبرى لا تريد تجاوز الجنوب، بل قد تدعم قضيته إن أصبح تابعًا لها، لأن ذلك يمنحها قوة ونفوذًا وحضورا وزخما. وفي المقابل، لا يريد المجلس أن يشق صف التحالف، ولا أن يفرّط بالمكتسبات التي حققها.
الخيار الأصعب
لذلك، لم يكن أمام المجلس إلا الخيار الأصعب: أن يحلّ نفسه بنفسه.فهو يدرك أن الشقيقة الكبرى لا تستطيع تجاوزه، ولا تريد إلغاءه، بل تريد فقط تغيير اسمه ووجهته. فاسمه السابق كان موسومًا بدعم الشقيقة الصغرى، وهذا ما لا يروق للشقيقة الكبرى.
والغاية النهائية هي إقصاء الشقيقة الصغرى تمامًا من المشهد، وسرقة إنجازاتها في الجنوب، ولو بالقوة، عبر اختطاف المجلس وإعادة تشكيله ليصبح الجنوب – بقياداته وقواته – مواليًا لها. وليكون لها زخم وحضور دولي في مواجهة التطرف والارهاب ومواجهة الحوثي مستقبلا ان حصل
وبرغم ذالك لازالت الشقيقة الصغرى متجاهلة كل ذالك العبث
أعتقد أن هذا هو جوهر المشهد.