آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-12:30م

جندي بلا وطن.. وحنين لا يموت

الجمعة - 09 يناير 2026 - الساعة 08:17 ص
منصور بلعيدي

بقلم: منصور بلعيدي
- ارشيف الكاتب


في زمن تتكسر فيه الأوطان على صخور الطمع السياسي، وتُغتال فيه الأحلام على أعتاب المنافي، يخرج صوت جندي يمني من أرض بعيدة، ليحكي لنا حكاية الغربة القاسية، والانتماء الموجوع، والولاء الذي لم تقتله المسافات.


"يوم سافرت.. سافرت مغصوب"، بهذه العبارة يفتتح الجندي رسالته، وكأنها مفتاح لبوابة وجع طويل. لم يكن سفره خيارًا، بل هروبًا من وطن ضاق بأبنائه، وطن لم يعد يتسع لأحلامهم ولا حتى لبدلاتهم العسكرية.

وجد نفسه في جيش لا يحمل راية بلاده، ولا ينطق بلغته، ولا يعرف وجعه. ومع ذلك، وقف يؤدي القسم، بينما قلبه معلق هناك.. في اليمن.


يحكي الجندي عن صباح استيقظ فيه على قرار جديد من مجلس القيادة اليمني، قرار لم يذكر تفاصيله، لكن أثره كان كافيًا ليوقظ فيه شوقًا جارفًا، وحنينًا موجعًا.

كتب رسالته قبل أن يتوجه إلى الجبهة، لا ليشكو، بل ليصرخ في وجه الغياب: *ليتني جندي في وطني اليمن، لا غريبًا في المنفى أحمي وطنًا لا يناديني باسمي*.

كلماته ليست مجرد حنين، بل شهادة دامغة على ما آلت إليه أوضاع اليمنيين، الذين وجدوا أنفسهم غرباء في الجغرافيا والهوية، يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها.

هو لا يطلب شفقة، بل يطالب بحقه في أن يكون جنديًا تحت سماء بلاده، لا تحت رايات لا تشبهه، ولا في أرض لا تعرف لغته.

وفي رسالته، لا ينسى أن يوجه أصابع الاتهام إلى من يرى أنهم السبب في هذا الشتات: السياسيون. أولئك الذين *سرقوا الوطن ثم تساءلوا لماذا هاجر أبناؤه*. يحمّلهم مسؤولية وطن بلا رحمة، وجندي بلا هوية، وأحلام تكسرت على حدود المنافي.


لكن رغم كل شيء، لا يعلن الجندي موت اليمن. بل يؤكد أن اليمن ما زال حيًا، وإن خُنق صوته.

هو شاهد على الجريمة، لكنه أيضًا شاهد على الأمل. أمل أن يعود يومًا، لا ليحمل سلاحًا في يد غريبة، بل ليحمي تراب وطنه، ويؤدي قسم الولاء تحت سمائه.


*جندي بلا وطن.. ووطن بلا رحمة* ليست مجرد عبارة، بل مرآة تعكس مأساة جيل بأكمله، جيل يبحث عن وطن لا يخونه، وعن راية لا تُباع، وعن هوية لا تُنفى.