آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-07:23م

فرص السلام في اليمن في ظل تعدد الحسابات

الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 09:15 م
محمد خالد

بقلم: محمد خالد
- ارشيف الكاتب



في وقت يقف فيه اليمن أمام استحقاق مصيري، تتضاءل فرص السلام الحقيقي بفعل تعدد الحسابات السياسية وتضارب المشاريع، في مشهد لم يعد فيه الصراع محصورًا بين الحوثي والحكومة الشرعية، بل امتد ليشمل انقسامًا عميقًا داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتحديدًا بين الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي. هذا الخلاف، الذي بدأ في بداياته صراع شراكة، انتهى اليوم إلى صراع مشروعين سياسيين، انعكس سلبًا على وحدة الصف وعلى قدرة الدولة على استعادة دورها وهيبتها.


من صراع الشراكة إلى صراع المشاريع


في المرحلة الأولى، كان الخلاف بين الشرعية والانتقالي يتمحور حول إدارة الشراكة السياسية وتقاسم المسؤوليات، إلا أن تعثر التفاهمات، وغياب المعالجات الجذرية، وتراكم الأزمات، حوّل هذا الخلاف إلى صراع على شكل الدولة ومستقبلها. هذا التحول أضعف الجبهة الداخلية، وأدخل القوى المناهضة للحوثي في حالة استنزاف سياسي وأمني، كان المواطن فيها الخاسر الأكبر.


الحوثي… المستفيد الأكبر من الانقسام


في خضم هذا المشهد، يقف الحوثي اليوم في موقع المراقب الذي يتابع الصراع من بعيد، مستفيدًا من حالة الانقسام والتناحر داخل معسكر خصومه. فبينما تنشغل الشرعية والانتقالي بخلافاتهما، يجد الحوثي فرصة سانحة لإعادة ترتيب أوراقه، ومحاولة التوغل مجددًا نحو محافظات سبق أن تحررت من الجبروت الإمامي، مستغلًا أي فراغ سياسي أو أمني قد ينشأ.


إن استمرار هذا الوضع يمنح الحوثيين مكاسب مجانية، دون كلفة عسكرية حقيقية، ويحوّل الانقسام الداخلي إلى تهديد أخطر من المواجهة المباشرة.


عدن… عاصمة بلا تعافٍ


تمثل عدن نموذجًا صارخًا لكلفة الصراع السياسي. فهي تُقدَّم بوصفها العاصمة المؤقتة لليمن، وفي الوقت ذاته عاصمة الجنوب العربي، لكنها لم تنل حتى اليوم الحد الأدنى من التعافي الاقتصادي أو الخدمي. تعدد مراكز القرار، وتكرار الأزمات، وتحويل المدينة إلى ساحة صراع سياسي، جعلها تدفع ثمنًا مضاعفًا، في وقت كان يفترض أن تكون نموذجًا للاستقرار والإدارة الرشيدة.


إن إعادة عدن إلى دائرة الصراع مرة أخرى لا تعني سوى تعميق المعاناة، وفتح ثغرة جديدة قد يستغلها الحوثي، وهو ما لا يحتمله اليمن ولا أبناؤه.


الحوار الجنوبي الشامل كمدخل لاستعادة هيبة الدولة


في ظل هذا التعقيد، يبرز الحوار الجنوبي الشامل كأحد المسارات الضرورية لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، وتجاوز حالة الاستقطاب السياسي التي أضعفت مؤسسات الدولة وأفقدتها هيبتها. فغياب التوافق الداخلي أسهم في تعميق الانقسام، وأضعف القدرة على مواجهة التحديات الكبرى، وفي مقدمتها خطر الحوثي.


إن أي حوار جنوبي جامع، قائم على الشراكة الحقيقية وتوسيع دائرة التمثيل، يمكن أن يسهم في توحيد الرؤية، وتقليص بؤر التوتر، وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها. كما أن نجاح هذا الحوار لا ينعكس على الجنوب وحده، بل يمتد أثره إلى المشهد اليمني ككل، عبر تعزيز موقع القوى المناهضة للحوثي في أي مسار تفاوضي قادم.


السلام رهين بتوحيد الأولويات


إن فرص السلام في اليمن ستظل محدودة ما دامت الخلافات الداخلية تتقدم على مواجهة الخطر الرئيسي. المطلوب اليوم هو تجاوز منطق الصراع الصفري، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، وتوحيد الجهود باتجاه استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.


فالدولة لا تُستعاد بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء الثقة، وترميم الشرعية السياسية من الداخل، وتقديم نموذج سياسي قادر على احتواء الخلافات بدل تحويلها إلى صراعات مفتوحة.


اليمن اليوم لا يحتاج إلى إدارة صراع جديد، بل إلى قرار شجاع بإنهاء الصراعات القائمة. فكل تأخير في معالجة الخلافات الداخلية يمنح الحوثي فرصة إضافية، ويؤجل حلم استعادة الوطن وبناء دولة عادلة تتسع للجميع. وحده توحيد الإرادة الوطنية، وفتح مسارات حوار جادة، يمكن أن يبدد هذه الغيمة الثقيلة، ويعيد الأمل لشعب أنهكته الحروب والوعود المؤجلة