آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-07:23م

أبناء الأرض المغيّبون عن تقرير المصير

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 11:17 م
محمد خالد

بقلم: محمد خالد
- ارشيف الكاتب


منذ اندلاع المواجهات الأولى، كان هناك من حمل عبء الدفاع عن الأرض والوطن دون انتظار مقابل، ومن دفع ثمنًا باهظًا من دمه وصحته ومستقبله. هؤلاء هم أبناء الأرض الحقيقيون، الجرحى وأسر الشهداء، الذين شكّلوا في لحظة مفصلية خط الدفاع الأول، بينما غاب كثيرون عن المشهد أو التحقوا به لاحقًا.


ورغم هذه التضحيات، يجد هؤلاء أنفسهم اليوم خارج معادلة القرار، بعيدًا عن طاولات الحوار، ومغيبين عن أي مشاركة فعلية في تقرير المصير، في وقت أصبح فيه الجنوب حكرًا سياسيًا على مجلس بعينه، أو على كيان وشخصيات محددة، وكأن التاريخ بدأ من لحظة معينة، لا من جذوره الأولى.


جرحى 2015… ذاكرة حاضرة وواقع منسي


يشكّل جرحى عام 2015 نموذجًا صارخًا لهذا الإقصاء. فهذه الفئة، التي كان لها الدور الأبرز في الدفاع عن الأرض في أكثر المراحل خطورة، غابت اليوم عن المشهد العام بشكل شبه كامل. بعضهم اضطر إلى الهجرة بحثًا عن العلاج أو لقمة العيش، وبعضهم يعيش عزلة قسرية داخل منزله، فيما لا يزال آخرون ينتظرون مساعدات متقطعة لا تفي بأبسط متطلبات الحياة، أو يبحثون عن علاج مفقود في ظل غياب أي منظومة رعاية حقيقية.


هذه الحالات لا يمكن التعامل معها كاستثناءات فردية، بل تعكس خللًا بنيويًا في إدارة ملف الجرحى وأسر الشهداء، وتكشف عن سياسة تهميش ممنهجة طالت من كان يفترض أن يكونوا في صدارة الاهتمام.


حوار الرياض… آمال مشروعة وتساؤلات قائمة


مع الحديث عن حوار شامل يُعقد في العاصمة السعودية الرياض، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان هذا الحوار سيمثل فرصة حقيقية لتصحيح المسار، أم سيكون تكرارًا لتجارب سابقة لم تثمر سوى مزيد من الوعود المؤجلة. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل سيكون لمن قدّموا التضحيات الأولى مقعد مستحق على طاولة الحوار؟ أم سيُعاد إنتاج المشهد ذاته بأسماء مختلفة؟


لقد سئم كثيرون من الوعود التي لم تتحول إلى سياسات ملموسة، ومن تعهدات بقيت حبيسة الخطابات، دون أن تنعكس على واقع الجرحى أو أسر الشهداء أو من أُقصوا عن المشاركة السياسية. إن هذه الوعود، في نظر المتضررين، لم تختلف في مآلاتها عن “وعود عرقوب” التي لا يُرى لها أثر.


نحو وطن يتسع للجميع


المطلب اليوم ليس تحقيق مكاسب فئوية، ولا تكريس نفوذ جماعات أو أفراد، بل إطلاق حوار وطني شامل، يعترف بكل من ساهم في الدفاع عن الأرض، ويؤسس لعدالة حقيقية، ويضمن مشاركة واسعة في تقرير المصير دون إقصاء أو انتقائية.


فالوطن الذي يُبنى على التهميش لا يمكن أن يستقر، والحل الذي لا يشمل الجميع يبقى حلًا هشًا قابلًا للانهيار. وحده الحوار الصادق، القائم على الاعتراف بالتضحيات والحقوق، يمكن أن يفتح أفقًا لوطن يتسع لكل أبنائه، لا لوطن تحكمه المصالح الشخصية أو الاصطفافات الضيقة.