آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-09:25م

عيدروس الزُبيدي - الزعامة الأخلاقية في زمن الحسابات القذرة

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 11:22 ص
فارس العزيبي

بقلم: فارس العزيبي
- ارشيف الكاتب


لم تُختبر القيادات الحقيقية في أزمنة الاستقرار، بل تُعرَف معادنها حين تتكاثف الضربات وتتقاطع الخيانات. وفي قلب هذا الامتحان القاسي، برز عيدروس الزبيدي لا بوصفه نتاج لحظة سياسية عابرة، بل كقائد وُضع في مواجهة قدرٍ ثقيل، حُرم فيه من السند الإقليمي، وتعرّض لعزلةٍ مقصودة، بينما كان يُطالَب وحده بحمل كلفة الجنوب كاملة.


تغيّرت خرائط المصالح فجأة، لا لأن الحق تبدّل، بل لأن الحسابات الكبرى لا تُبنى دائماً على العدالة. الرياض اختارت مساراً آخر في لحظة حساسة، وأبوظبي آثرت الانسحاب مراعاةً لترتيب الحلفاء، فوجد الزبيدي نفسه في مهب العاصفة، بلا مظلة سياسية، وبلا ضمانات، يقاتل على أكثر من جبهة دفاعاً عن قضية لا تقبل أنصاف الحلول.


في هذا الفراغ، نشطت أدوات التشويه: إعلامٌ مأجور يطعن في النيات، وأوصاف جاهزة تُرمى جزافاً لتجريده من شرعيته الأخلاقية، فيما الحوثي يتربص جنوباً بشهية من اعتاد الالتهام، وبقايا نظام صنعاء تترقب سقوطه أملاً في بعث وحدة لفظها الواقع. لكن المفارقة الأشد قسوة جاءت من الداخل؛ من كيانٍ يفترض أنه شريك، فإذا به يوجّه نيرانه نحو من فتح له عدن وحماه، ليسقط خيرة الشباب الذين لم يحملوا السلاح طمعاً، بل دفاعاً عن عقيدة وطنية خالصة.


ومع كل ذلك، لم يتصدّع هذا الرجل. والسبب لا يعود إلى دهاء عسكري فحسب، بل إلى بنية شخصية نادرة في المشهد السياسي اليمني. فالزبيدي ليس ابن الصالونات، ولا أسير العادات المستهلكة، بل رجل مشدود إلى الانضباط، متقشّف في سلوكه، صارم مع نفسه قبل غيره، تشكّل وعيه في بيئة ترى في الطهارة والالتزام زاداً للقيادة لا عبئاً عليها.


هذا التكوين العقدي والأخلاقي منحه ثباتاً استثنائياً. رجل يعرف طريقه إلى السكينة وقت الفوضى، ويستحضر إيمانه حين ينهار الآخرون. لذلك، عندما حلّت الفاجعة، لم يظهر مهزوماً ولا منكسراً، بل خرج يؤدي واجبه الإنساني قبل السياسي؛ يصلي على الشهداء، يطوف على الجرحى، يواسيهم كأب لا كمسؤول، ويستمد من صبرهم طاقة جديدة بدل أن يتكئ على حزنٍ مُنهِك.


خصومه راهنوا على إنهاكه، فإذا به يُربك حساباتهم. راهنوا على تشتت صفه، فإذا بالصدق يعيد المختلفين إليه دون إكراه. فقد أدرك كثيرون أن هذا القائد لا يناور بالمبادئ، ولا يساوم على الدم، نظيف الكف، عفيف عند المغنم، صلب في الخصومة، لكنه شريف لا يغدر ولا يتلذذ بالأذى.


بهذا المزيج النادر من الصبر الاستراتيجي والسمو الأخلاقي، يقدّم عيدروس الزبيدي نموذجاً مختلفاً للقيادة؛ قائد يعرف متى يلين ومتى يشتد، يمد يده للسلام دون أن يفرّط، ويتحمّل الألم دون أن يحيد عن الهدف. ومن كانت سريرته على هذا القدر من النقاء، فإن النصر ليس احتمالاً في طريقه، بل نتيجة مؤجلة.

امضِ سيدي، فالطريق وإن طال، لا يُحمل إلا بمثل هذه القلوب، ولا يُنتزع الحق إلا بأمثالك.


#فارس_العزيبي