آخر تحديث :الأربعاء-07 يناير 2026-09:27ص

الحكم الذاتي لحضرموت.. ركيزة الأمن الإقليمي وطوق النجاة للاقتصاد اليمني

الأحد - 04 يناير 2026 - الساعة 09:53 م
بدر باسلمة

بقلم: بدر باسلمة
- ارشيف الكاتب


في خضم الأمواج المتلاطمة التي تعصف باليمن منذ سنوات، وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية، تبرز "حضرموت" ليس كمجرد محافظة ضمن خريطة جغرافية، بل ككيان حضاري وجيوسياسي يمتلك كل مقومات الدولة، ولكنه ظل لعقود مكبلاً بمركزية مفرطة أهدرت مقدراته. إن قراءة المشهد الراهن، وما أثبتته التحولات الأخيرة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن استقرار المنطقة يبدأ من منح حضرموت حكماً ذاتياً مستقلاً ناجزاً. هذا الطرح ليس نزعة انفصالية ضيقة، بل هو الحل العملي الوحيد لتأمين العمق الاستراتيجي للخليج، وتقديم "قاطرة اقتصادية" تنقذ ما تبقى من هيكل الدولة اليمنية.


أولاً: شرعية التميز..التاريخ كضمانة للمستقبل:

لا يمكن التعامل مع حضرموت بمعايير المناطق الأخرى. تاريخياً، شكلت حضرموت "أمة" بحد ذاتها، تمتلك إرثاً في الحكم والإدارة، وشخصية مجتمعية تنبذ العنف وتجلّ القانون والنظام. هذه الهوية، التي تعرضت للتهميش الممنهج، أثبتت أنها عصية على الذوبان في مشاريع الفوضى. إن الحكم الذاتي هو إعادة الاعتبار لهذه الهوية، وهو الضمانة الوحيدة لعدم انزلاق المجتمع الحضرمي المتماسك إلى أتون الصراعات القبلية أو المذهبية، مما يوفر أرضية صلبة لبناء نموذج دولة المؤسسات الذي يفتقده اليمن اليوم.


ثانياً: المعادلة الاقتصادية.. (حضرموت قوية = مركز غني):

يخطئ من يظن أن استقلال حضرموت بقرارها الاقتصادي يعني حرمان الحكومة المركزية من الموارد أو إفقار اليمن. العكس هو الصحيح تماماً؛ فمركزية القرار في صنعاء أو عدن أثبتت فشلها الذريع وأدت إلى تآكل البنية التحتية للقطاع النفطي وهروب الاستثمارات.


تعظيم الموارد السيادية: إن منح حضرموت حكماً ذاتياً سيمكنها من القضاء على الفساد البيروقراطي، وتأمين بيئة استثمارية آمنة تعيد الشركات العالمية وتضاعف الإنتاج. هذا الازدهار سينعكس تلقائياً على "الحصة السيادية" التي ستوردها حضرموت للحكومة المركزية وفق عقود شفافة، مما يرفد الخزينة العامة بأضعاف ما تحصل عليه الآن من الفتات.


الشريك لا التابع: ستتحول حضرموت من "بقرة حلوب" منهكة، إلى شريك اقتصادي قوي يضخ السيولة في شريان الاقتصاد اليمني المنهار، ويضمن استمرار صرف الرواتب والموازنات التشغيلية لباقي المناطق، لتصبح حضرموت بحق "الرئة" التي يتنفس منها الاقتصاد اليمني.


ثالثاً: رسالة طمأنة للداخل.. (حضرموت المحور وليس الطرف المنفصل)

إن تبني خيار الحكم الذاتي يبدد مخاوف اليمنيين، من شبح التشظي. هذا المشروع يقدم حضرموت كنموذج لـ "اللامركزية الإدارية والمالية الناجحة" التي تحفظ لليمن وحدته الجغرافية وتكامله الاقتصادي. إن وجود حضرموت مستقرة، آمنة، ومفتوحة المنافذ، هو مصلحة حيوية للمواطن في صنعاء وتعز وصعدة قبل المكلا؛ فاستقرارها يعني استمرار تدفق الغذاء والدواء والبضائع عبر منافذها البرية والبحرية إلى كافة ربوع اليمن دون عوائق سياسية أو ابتزاز عسكري، لتكون حضرموت "المنطقة الخضراء" الآمنة للجميع.


رابعاً: الأهمية الجيوسياسية.. (رئة الخليج وعمقه الأمني)

على الصعيد الإقليمي، تمثل حضرموت الخاصرة الجنوبية "للمملكة العربية السعودية ودول لخليج.


كسر الطوق البحري: في ظل التهديدات المستمرة للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، تمثل موانئ حضرموت وشواطئها المفتوحة على بحر العرب البديل الاستراتيجي الآمن لتدفق الطاقة والبضائع بعيداً عن مضايق الابتزاز.


الحزام الأمني: إن إقليماً حضرمياً مستقراً يمتلك قراره الأمني، يعني تأمين حدود المملكة الجنوبية بحزام بشري وجغرافي يدين بالولاء لمحيطه العربي ولا يرتهن لأجندات خارجية، مما يقطع الطريق على التدخلات التي تعبث بالنسيج اليمني.


إن اللحظة التاريخية الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول. إن قرار منح حضرموت حكماً ذاتياً بصلاحيات كاملة هو قرار استراتيجي يصب في مصلحة الأمن القومي الخليجي أولاً، وينقذ إنسان حضرموت ثانياً، ويقدم لليمنيين "طوق نجاة" اقتصادياً وسياسياً ثالثاً.


حضرموت المستقرة والقوية هي الحليف الصادق والشريك الموثوق الذي تحتاجه المنطقة، وهي الرافعة التي سيعتمد عليها اليمن لينهض من كبوته، لا العضو الذي يسعى لمغادرة الجسد.


#حضرموت_تطالب_بحكم_ذاتي