مع اقتراب نهاية كل عام، تتجدد مشاهد الاحتفالات الصاخبة في شوارع المدن الكبرى، وتُضاء السماء بالألعاب النارية، وتُقام الحفلات التي تتخللها مظاهر اللهو والعبث. يُطلق على هذه الليلة اسم "الكريسماس" في أذهان كثيرين، لكنها في الحقيقة لا تمت بصلة إلى ما يعرفه المسيحيون الملتزمون بدينهم عن هذه المناسبة.
*الكريسماس الحقيقي... صلاة لا صخب*
في العقيدة المسيحية، يُحتفل بعيد الميلاد في الخامس والعشرين من ديسمبر، باعتباره ذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام. وتُقام بهذه المناسبة صلوات خاصة في الكنائس، ويقضي كثير من المسيحيين هذا اليوم في أجواء روحانية داخل منازلهم أو دور العبادة، بعيدًا عن مظاهر اللهو أو المجون.
هذا الطابع الروحي للاحتفال لا يتضمن رقصًا ولا خمورًا ولا عريًا، بل هو أقرب إلى التأمل والتعبد، وهو ما يؤكده كل من عاش هذه التجربة داخل المجتمعات المسيحية المحافظة.
*ليلة 31 ديسمبر... احتفال لا يمت للكريسماس بصلة*
ما يُعرف شعبيًا بـ"احتفالات رأس السنة" في ليلة 31 ديسمبر، لا علاقة له بالكريسماس من قريب أو بعيد. هذه الليلة تحوّلت إلى مناسبة عالمية للترفيه والاحتفال، يشارك فيها الناس من مختلف الأديان والثقافات، وغالبًا ما تتسم بمظاهر صاخبة لا تمتّ إلى الدين بصلة، سواء كان الإسلام أو المسيحية.
المفارقة أن بعض المسلمين، بل وحتى بعض المسيحيين غير الملتزمين، يخلطون بين الكريسماس ورأس السنة، ويظنون أن ما يحدث في الليلة الأخيرة من ديسمبر هو جزء من الطقوس الدينية المسيحية، بينما الحقيقة أن هذا الاحتفال لا يمثل إلا ثقافة استهلاكية وعلمانية بحتة.
*بين الجهل والتشدد... ضياع الفهم*
يقع كثير من الناس بين طرفين متناقضين: طرف يجهل حقيقة المناسبة فينخرط في مظاهرها دون وعي، وطرف آخر يتبنى خطابًا متشددًا، يجرّم أي مشاركة أو تهنئة للمسيحيين في أعيادهم، دون تمييز بين المشاركة احترامًا وتقديرًا، والمشاركة قناعةً وإقرارًا بعقائد مغايرة.
إن الإسلام، في جوهره، يدعو إلى التثبت قبل إصدار الأحكام، كما في قوله تعالى: *"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"*. ومن هذا المنطلق، فإن فهم طبيعة الاحتفال، وتمييزه عن السلوكيات الدخيلة، هو الخطوة الأولى نحو موقف متزن وعادل.
*احترام لا يعني تبني*
من المهم التمييز بين من يشارك الآخرين أعيادهم من باب التقدير والتعايش، وبين من يشاركهم قناعةً بعقائدهم. فالأول يعكس سماحة الإسلام وانفتاحه على الآخر، بينما الثاني يتطلب نقاشًا فقهيًا أعمق. لكن في كل الأحوال، لا يجوز الخلط بين مظاهر اللهو العابثة التي يمارسها بعض الجهلة، وبين الطقوس الدينية الحقيقية التي يمارسها المؤمنون من أتباع الديانات الأخرى.
الاحتفال برأس السنة الميلادية، كما يُمارس اليوم، لا يعكس بالضرورة قيمًا دينية، بل هو نتاج ثقافة استهلاكية عالمية. وبين الجهل والتشدد، تضيع الحقيقة. ومن واجبنا كمسلمين أن نتحرى الدقة، ونفهم السياقات، ونفرّق بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وبين ما هو احترام وما هو إقرار. فبالعقل والعدل، لا بالغلو أو الجهل، نحفظ هويتنا ونحسن التعايش مع غيرنا.