آخر تحديث :الجمعة-02 يناير 2026-11:47ص

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 07:48 م
إبراهيم أبو عواد

بقلم: إبراهيم أبو عواد
- ارشيف الكاتب


حِينَ تَعجِز اللغةُ المُباشِرة عن اختراقِ جُدرانِ العاداتِ المُتَصَلِّبة ، وَحِينَ يُصْبحُ الوَعْظُ

ثقيلًا على الأُذُنِ والعقلِ ، تُولَد السُّخْرِيَةُ بِوَصْفِها فَنًّا للقَوْلِ غَيْرِ المُباشِر ، وَلِسَانًا يُضْحِكُ

لِيُبْكي ، وَيُخْفِي الجُرْحَ في ابتسامةٍ . لَيْسَت السُّخريةُ تَرَفًا بَلاغِيًّا ، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ فِكريٌّ

وأخلاقيٌّ ، وَسِلاحٌ حضاريٌّ استخدمه الكُتَّابُ حِينَ ضاقتْ بِهِم سُبُلُ الإصلاحِ الصَّريحِ . وفي

تاريخِ الأدبِ يَقِفُ الجَاحِظ (160 ه/ 776 م _ 255 ه/ 869 م) وفولتير _اسْمُه الحقيقي

فرانسوا ماري أرويه_ ( 1694 م _ 1778 م ) عَلى ضَفَّتَيْن مُتباعدتَيْن زَمانًا ومَكانًا، لكَّنهما

يَلْتقيان في جَوْهَرٍ واحدٍ: السُّخْرية الاجتماعية باعتبارها مِرْآةً للمُجتمعِ ، وحاضنةً للعقلِ ،

وَصَرْخَةً ضِدَّ التَّكَلُّسِ والظُّلْمِ .

السُّخريةُ لَيْسَتْ مُجرَّد ضَحِكٍ على الآخَر، بَلْ هِيَ تَفكيكٌ للواقعِ عَبْرَ المُفارَقة . تَقُومُ على

قلبِ المُتَوَقَّعِ ، وإظهارِ التناقضِ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُفْعَلُ ، وَبَيْنَ الشِّعاراتِ والمُمارَساتِ .

في بُعْدِها الاجتماعيِّ ، تَتَّخِذُ السُّخْريةُ وَظيفةً مُزْدَوَجَة : نَقْد البُنى السائدة مِنْ جِهَةٍ ،

وَحِماية الكاتبِ مِنْ بَطْشِ السُّلْطةِ أو المُجتمعِ مِنْ جِهَّةٍ أُخْرَى . إنَّها خِطابٌ يَمُرُّ مِنْ تَحْتِ

الرَّقابة ، وَيَصِلُ إلى العُقُولِ بِضِحْكَةٍ ، ثُمَّ يَستقرُّ في الضَّميرِ بِوَخْزَةٍ .

الجَاحِظُ ابْنُ البَصْرَةِ العَبَّاسِيَّةِ ، عاشَ في عَصْرِ ازدهارٍ فِكريٍّ وَصِراعٍ مَذهبيٍّ واجتماعيٍّ

حاد . كانت الأسواقُ تَضِجُّ بالجَدَلِ ، والقُصورُ تَعِجُّ بالسُّلْطةِ ، والمَساجدُ تَمُوجُ بالخِلافِ . في

هَذا المَنَاخِ كَتَبَ الجَاحِظُ ساخرًا بصيرًا لا خَطيبًا واعظًا ، يُراقِب المُجتمعَ مِنْ دَاخِلِه ، ويَضْحَك

مِنْ تناقضاته بذكاءٍ لُغَوِيٍّ لاذعٍ . سُخْريته لَيْسَتْ صاخبةً ، بَلْ تَتسلَّل عَبْرَ الحِكايةِ والطُّرْفةِ

والمِثَالِ . حِينَ يَكتبُ عَن البُخَلاءِ ، لا يَكْتفي بِوَصْفِ البُخْلِ صِفَةً فردية، بَلْ يُحوِّله إلى ظاهرةٍ

اجتماعية تَكشِف عَلاقةَ الإنسانِ بالمال، والخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، والتناقضَ بَيْنَ الادِّعَاءِ الدِّينيِّ

والسُّلوكِ اليَوْمِيِّ.

لُغَةُ الجَاحِظِ أداةُ سُخْريةٍ بِحَدِّ ذَاتِها ، فَهُوَ يُكدِّس الحُجَجَ ، وَيُطِيلُ الاستطرادَ ، ويُغْرِق

النَّصَّ بالتفاصيلِ حتى يَنقلب الجِدُّ إلى هَزْلٍ ، والهَزْلُ إلى نَقْدٍ قاسٍ. هَذا الإفراطُ المَقصودُ

يَكشِف عَبَثَ بَعْضِ السُّلوكيَّات ، وَيَجْعَل القارئَ شريكًا في اكتشافِ المُفَارَقَاتِ. إنَّه عَقْلُ مُعْتَزِلِيٍّ

يُؤْمِنُ بالمَنْطِقِ ، لكنَّه يُدرِك أنَّ المَنْطِقَ وَحْدَه لا يَكْفي ، فَيَسْتعين بالضَّحِكِ لِيُقْنِع .

لا يَسْخَرُ الجَاحِظُ مِنَ الفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِم فُقَرَاء ، ولا مِنَ الضُّعَفَاءِ لِضَعْفِهِم ، بَلْ مِنَ الادِّعَاءِ

والرِّيَاءِ والجُمودِ . سُخْريته أخلاقية في جَوْهَرِها ، لأنَّها تَنحازُ إلى العَقْلِ والعَدْلِ .

حِينَ يَسْخَرُ مِنَ المُتَعَصِّبِين ، فَهُوَ يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ التَّفكيرِ ، وحِينَ يَتَهَكَّمُ على المُتَشَدِّدِين

في فَهْمِ الدِّينِ، فَهُوَ يَدْعو إلى فَهْمٍ إنسانيٍّ رَحْب ، إنَّها سُخْرية الإصلاحِ مِنَ الداخلِ ، وَسُخْرية

مَنْ يُؤْمِنُ بالمُجتمعِ ويُريدُ إنقاذَه مِنْ نَفْسِه ، وَفْقَ رُؤيةِ الجَاحِظِ الشَّخْصيةِ وقَناعاتِه الفِكْرية .

عَلى الضَّفَّةِ الأُخْرَى ، يَقِفُ فولتير في أُوروبا القَرْنِ الثامنِ عَشَر ، زَمَن الكَنيسةِ

المُتَسَلِّطَةِ والمُلوكِ المُطْلَقِين.عاشَ المَنْفَى والسِّجْنَ والمُطَارَدَةَ، فصاغَ سُخْريته بِمَرارةٍ شديدةٍ،

وَحِدَّةٍ صَريحةٍ. وإذا كانَ الجَاحِظُ يَبتسمُ وَهُوَ يَكْتُب، فإنَّ فولتير يَضْحَكُ ضِحْكَةً تَحمِل الغضبَ

واليأسَ مَعًا .

في أعمالِه السَّرْديةِ والفلسفيةِ ، يَستخدمُ فولتير السُّخْريةَ لِتَعْريةِ التفاؤُلِ السَّاذَجِ ، وَفَضْحِ

الاستبدادِ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ . يَبْني عَوالِم خَيَالِيَّةً ، لكنَّها في الحقيقةِ نُسَخٌ مُكبَّرة مِنَ الواقعِ .

المُفَارَقَةُ عِندَه حادَّة ، شخصيات تُؤْمِنُ بأنَّ كُلَّ شَيْءٍ على مَا يُرام ، بَيْنَما العَالَم مِنْ حَوْلِها

يَنهارُ . بِهَذا التناقضِ يُحطِّم فولتير فِكْرَةَ تَبريرِ الشَّرِّ بِاسْمِ الحِكمةِ الإلهيَّةِ أو النِّظَامِ الكَوْنيِّ .

سُخْريةُ فولتير لَيْسَتْ مُجرَّد تِقْنيةٍ أدبية ، بَلْ هِيَ مَشروعٌ تَنْويريٌّ . يَسْخَرُ لِيَهْدِمَ ، ثُمَّ

يَتْرُك القارئَ أمامَ مَسؤوليةِ البِناءِ . يُهاجِم التَّعَصُّبَ والزَّيْفَ ، ويُسْقِط الأقنعةَ عَنْ رِجالِ الدِّينِ


الزائفين والحُكَّامِ المُسَتَبِدِّين . لُغَتُهُ واضحة ، وَجُمَلُهُ قصيرة ، وَطَعَنَاتُهُ مُباشِرة ، لا يُراوِغ

كثيرًا ، لأنَّ زَمَنَه كانَ يَتطلَّب الصَّدْمَةَ .

ومعَ ذلك ، فإنَّ فولتير لا يَدَّعي الطَّهارةَ المُطْلَقَةَ للإنسانِ . إنَّه يُدرِك هَشَاشَتَه ، وَيَسْخَر

مِنْها أيضًا ، لكنَّه يَرى في العقلِ والعِلْمِ والأخلاقِ أُفُقًا للخَلاصِ ، وَلَوْ كانَ هذا الأُفُقُ مَحْفُوفًا

بالتَّشَاؤُمِ .

على الرَّغْمِ مِن اختلافِ السِّيَاقَيْن ، يَلْتقي الجَاحِظُ وفولتير في إيمانٍ عَميقٍ بِقُدْرَةِ العقلِ ،

وفي شَكٍّ دائمٍ بالسُّلْطَاتِ المُطْلَقَةِ.كِلاهُما يَستخدمُ السُّخْريةَ لكشفِ النِّفَاقِ الاجتماعيِّ،ويَجْعَل

القارئَ يَضْحَك ثُمَّ يُفَكِّر . الفَرْقَ هُوَ أنَّ الجَاحِظَ يَتحرَّك دَاخِلَ نَسيجٍ ثقافيٍّ يَسْمَحُ بالمُرَاوَغَةِ

والالتفافِ ، بَيْنَما يَكتبُ فولتير في مُوَاجَهَةٍ مُباشِرة معَ مُؤسَّساتٍ قَمْعِيَّة ، فَيَكُون صَوْتُهُ أعلى

، وَحِدَّتُهُ أشد . والجَاحِظُ أقربُ إلى المُعَالِجِ الذي يَصِفُ الدَّاءَ، ويَبتسِم لِيُطَمْئِنَ

المَريضَ،وفولتير أقربُ إلى الجَرَّاحِ الذي يَشُقُّ الجُرْحَ بِلا مُخَدِّرٍ ، لكنَّ الهدفَ واحدٌ ، إنقاذ

الإنسانِ مِنْ جَهْلِه ، وتَحْريره مِنْ خَوْفِه .

تَكْشِفُ المُقَارَنةُ بَيْنَهما أنَّ السُّخْرية لَيْسَتْ حِكْرًا على ثقافةٍ بِعَيْنِها ، بَلْ هِيَ لُغَةٌ كَوْنِيَّة .

تَختلفُ الأقنعةُ ، لكنَّ الجَوْهَرَ ثابتٌ . في التُّراثِ العَرَبيِّ ، السُّخْريةُ كانتْ وَسيلةً للبَقَاءِ

والتَّوَازُنِ ، تُدَارِي الألَمَ ، وتُحافِظ على كَرامةِ الإنسانِ في وَجْهِ القَهْرِ. وفي التُّراثِ الأُوروبيِّ

الحَديثِ ، السُّخْريةُ صَوْتُ العَقْلِ المُتَمَرِّدِ ، وأداةٌ للثَّورةِ ، وإعادةُ صِياغةٍ للوَعْيِ الجَمْعِيِّ .