أ.د. شادي صالح باصرة
كل التجارب القاسية التي مر بها اليمن في أعوام 67م و86م و94م و2015م لم ترسخ في الذاكرة بسبب تفاصيلها أو بسبب من كان وراءها، بل لما خلفته من دماء وجروح عميقة. واليوم، وبعيدا عن التفاصيل، تقف حضرموت أمام منعطف خطير في ظل صراع مسلح تتداخل فيه عوامل متعددة، وغالبية أطرافه جنوبية. وإذا ما تحولت حضرموت، لا قدر الله، إلى ساحة مواجهة واسعة، وسقط ضحيتها الآلاف من أبناء حضرموت ومن أبناء الجنوب عموما، فكيف يمكن تبرير ذلك أمام التاريخ؟
التجارب السابقة تعلمنا أن مثل هذه الصراعات تنتهي دائما بأوجاع جديدة، وتترك خلفها ندوبا لا تزول بالتقادم. وسيكون عام 2026، إن استمر هذا المسار، محطة سوداء أخرى في الذاكرة الجنوبية، لا تقود إلا إلى مزيد من الانقسام وبروز مظلوميات جديدة.
مع الأسف، لا تزال آثار أحداث 94 و 20215، بما حملته من ثأر سياسي وشحن عاطفي، تؤثر في بعض القرارات اليوم. وتكمن الخشية في أن يقود الانفعال والولاء غير المتزن إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي، سواء بالاندفاع نحو وحدة اندماجية دون دراسة كافية، أو بخيار إعلان الانفصال كما حدث في 94م. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقتضي من قيادات الانتقالي العودة إلى أصوات الحكماء وأصحاب الرأي والخبرة عندهم، الذين جرى تهميشهم في المراحل السابقة، والاستماع إليهم بعيدا عن الانفعال والمزايدات، وبما يجنبهم الدخول في مواجهة مع محيطهم الإقليمي والدولي.
لا شك إن الخروج من دوامة الصراع الازلي في اليمن لا يكون إلا بالموضوعية والاحتكام للعقل، وصون ما تحقق من مكتسبات عادلة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، التي لم تتقدم إلا حين اختارت السلمية نهجا لها. أما السلام والتنمية المستدامة لأبنائنا وأحفادنا، فلن يتحقق إلا عبر التوافق، وبناء صيغة دولة جديدة تراعي المخاوف قبل المصالح، وتؤسس لعدالة شاملة تحفظ كرامة الجميع.