قرأت صفحات كتاب «رحلة العبور إلى الحرية» للمؤلف محمد سالم بن علي جابر (أبو أسامة)، رئيس مركز دراسات حضرموت التاريخية. ويُعد هذا الكتاب من أدب الرحلات، إذ يوثق رحلة واقعية جرت أحداثها عام 1979م ، لقد كانت بالفعل رحلة عذاب، يختلط فيها الخوف بالأمل فيما هو قادم.
إنها واحدة من أصعب الرحلات في البحث عن الحرية والأمل، ومغامرة محسوبة قادها والد المؤلف سعيًا إلى مستقبل أفضل، رغم التعب والمخاطر المحدقة. وكان البدو المهربون من صحراء حضرموت، وهم على معرفة تامة بوالد المؤلف، يمثلون في الواقع أصدقاء الطريق.
اتسم هؤلاء البدو بالشجاعة والخبرة والتنظيم،
وكانوا موضع ثقة، إذ رتبوا جميع تفاصيل الرحلة قبل انطلاقها. لقد كانت رحلة شقاء وبحث وأمل وحرية، ولديهم خبرة سابقة في مثل هذه المغامرات، حيث قاموا مرارًا بنقل أسر حضرمية إلى المملكة العربية السعودية، مشياً على الأقدام أو على ظهور الجمال.
جرت هذه الرحلة في ظل نظام اليمن الديمقراطية الشعبية، وفي حضرموت خاصة، وهو نظام ديكتاتوري شمولي كان يمنع لمّ شمل الأسر، رغم أن ذلك تكفله جميع قوانين الدنيا، باستثناء هذا النظام الموالي للاتحاد السوفيتي آنذاك، والمعادي لدول الإقليم.
كان المهربون أو كما أسميهم أصدقاء الطريق رجالًا بحق، يتحلون بالأصالة والأخلاق، ووفوا بوعدهم في إيصال الأسرة إلى الأب المنتظر في مدينة شرورة القريبة من حدود حضرموت مع السعودية.
البدو الحضارم من قبائل الصيعر من كندة تميزوا برجولة وكرم وثقة بالنفس وأمانة، إلى جانب حذر شديد من عيون الدولة ومخبري جهاز مخابرات اليمن الديمقراطية في ذلك الوقت. وقد كانت السرية والتكتم أساس نجاح الرحلة، بما في ذلك تحديد ساعة الانطلاق من الموقع القريب من قرية خشامر.
غادر آلاف من شباب حضرموت، سواء ممن أكملوا المرحلة الثانوية أو لم يكملوها، بحثًا عن الحياة الكريمة. وصل كثير منهم بعد رحلة مشقة وصعاب ومخاطر حقيقية، بينما لم يصل البعض الآخر، إذ لقوا حتفهم بسبب قلة الطعام والعطش في صحراء الربع الخالي، حيث الحرارة الشديدة نهارًا، والبرد القارس ليلًا، وندرة المياه التي لا يعرف مواقعها إلا بدو الصحراء الحضارم.
وفي رحلة أبي أسامة وأهله، يبرز إصرار الوالد وشجاعة أم أسامة وأبنائها، في ظل الحصار المفروض على نظام اليمن الديمقراطية شبه الشيوعي آنذاك، وانعدام الحرية.
لقد كانت الهجرة فكرة راسخة في عقل كل من عاش في حضرموت، بل سلوكًا موروثًا أبًا عن جد، بسبب الظروف الطاردة، مع تشجيع الآباء لأبنائهم على السفر طلبًا للرزق، رغم المخاطر، متوكلين على الله.
كانت أم أسامة عماد الرحلة، ورغم تمسك نساء حضرموت بالحياء والعفة والحشمة وعدم الظهور أمام الغرباء، إلا أن شجاعتها ومشاركتها في هذه المغامرة غير المضمونة النتائج، عكست إيمانًا عميقًا بالأمل والنجاح.
كانت هذه المغامرة محسوبة بعناية من قبل ولي الأمر (الأب)، وأقل خطورة مقارنة بالبدائل الأخرى، حيث تداخلت الأقدار مع التوفيق الإلهي في رحلة الوصول.
تمثلت نتائج هذه الرحلة الصعبة في لمّ شمل الأسرة وفتح آفاق المستقبل أمام شباب حضرموت، والوصول إلى الغاية المنشودة بعد رحلة مليئة بالمخاطر والمجهول.
لقد تكللت الرحلة بالنجاح، وتم لمّ شمل العائلة بعد فراق قسري، فرضته سياسات حكومة وقفت ضد شعبها، وعرّضت المعارضين للخطر والموت.
كانت الصراعات الداخلية بين رفاق الحزب الحاكم شاهدًا على تلك المرحلة، بينما ظل الشعب الحضرمي ضحية لصراعات السلطة ورجال الحزب الشمولي.
آمل أن أكون قد قدمت عرضًا مناسبًا لكتاب
« رحلة العبور إلى الحرية » ، والله من وراء القصد .