آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-12:10م

ظلمُ عقودٍ تكشِفُه لحظةُ انتصار

الإثنين - 29 ديسمبر 2025 - الساعة 03:17 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


على مدى أكثر من ثلاثة عقود، عاش شعب الجنوب واقعًا قاسيًا من الظلم المنهجي، كان المواطن يدرك تفاصيله حدسًا ومعاناةً يومية، لكنه يفتقر إلى الدليل القاطع. غير أن لحظات التحول الكبرى كثيرًا ما تكشف ما أُخفي طويلًا، وتُسقط الأقنعة عن حقائق ظلت مدفونة تحت ركام الشعارات.

منذ حرب صيف 1994م، التي شُنّت على الجنوب، دخلت البلاد مرحلة جديدة من النهب المنظم لثروات الجنوب، تحت لافتة “الوحدة” التي قُدّمت يومًا بوصفها مشروعًا قوميًا عربيًا، فإذا بها تتحول إلى غطاء سياسي لتمكين شبكات نفوذ وقوى قبلية وعسكرية من السيطرة على الأرض والثروة معًا.

لقد قدّم الجنوبيون دولتهم ووطنهم الأم بدافع قومي صادق، حلموا بوحدة تحفظ الكرامة وتحقق العدالة وتكافؤ الفرص، لكنهم اكتشفوا – بعد فوات الأوان – أن من اتحدوا معهم لم يكونوا شركاء دولة، بل منظومات فساد وعصابات نهب، جُبلت على الاستحواذ لا على الشراكة، وعلى الإقصاء لا على البناء.

ثروات تُنهب… وشعب يُفقَر

النفط والغاز والمعادن في حضرموت وشبوة وأبين لم تكن يومًا مصدر تنمية لأهلها، بل تحولت إلى مورد خاص يُضخ في حسابات نافذين من بيت السلطة، ورموز قبلية وعسكرية، بينما ظل المواطن الجنوبي يعاني انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية.

لم تُبنَ محطات كهرباء حقيقية، ولم تُؤسَّس بنية تحتية تليق بالمناطق المنتِجة للثروة، ولم يُستثمر شيء يُذكر في الإنسان. كان الهدف واضحًا: النهب، ثم تهريب العائدات إلى الخارج، حيث شُيّدت المدن، وتكدّست الاستثمارات في دول الجوار ومصر وتركيا وغيرها، بأموال حُرِم منها أصحاب الأرض.

الإرهاب… غطاء للنهب

أخطر ما تكشف خلال السنوات الماضية هو التلازم المريب بين انتشار الجماعات الإرهابية ومناطق الثروة. فحيثما وُجد النفط أو المعادن، وُجد “الإرهاب” بوصفه ذريعة جاهزة لإخلاء الأرض من أهلها، وإحكام السيطرة عليها .

في أبين، كما في شبوة وحضرموت، لم يكن الإرهاب ظاهرة طبيعية أو نابعة من المجتمع، بل صُنع في معسكرات خاصة، وتحت إشراف قيادات عسكرية وأمنية مرتبطة مباشرة بمراكز النفوذ في صنعاء. كان الإرهاب أداة سياسية واقتصادية، لا أكثر.

وحدة المكاسب لا وحدة الشعوب

اليوم، يتضح أن “الوحدة” التي يدّعي البعض الاستعداد للقتل من أجلها، لم تكن يومًا وحدة شعبين، بل وحدة مكاسب وثروات. وحدة يدافع عنها المنتفعون لأنها تعني استمرار تدفق الثروة إلى جيوبهم، حتى لو كان الثمن فقر شعب بأكمله وإذلاله.

نحو كشف شامل واستعادة الحق.

الحقائق، مهما طال إخفاؤها، لا بد أن تُكشف. ومع تصاعد الوعي الجنوبي، وتبلور مشروع وطني جامع، بات من المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة – خصوصًا خلال عام 2026 – كشفًا أوسع لملفات أنابيب النهب، وحقول النفط، ومناجم الذهب ، وصفقات الغاز الطبيعي، ومحطات التكرير المحدودة التي أُديرت خارج أي رقابة وطنية حقيقية.

إن استعادة الثروة ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل حق أخلاقي وإنساني لشعب حُرم من خيراته لعقود. ومع كل خطوة وعي، تقترب لحظة المحاسبة، وتترسخ قناعة أن العدالة، وإن تأخرت، لا تموت.