آخر تحديث :الخميس-23 يوليو 2026-12:25ص

هل خُدِعت المملكة في اليمن أم أخطأت؟

الأحد - 28 ديسمبر 2025 - الساعة 02:17 م
علي ملص


علي مبارك


يبدو أن هذا السؤال يراود الكثير من المتابعين

للشأن اليمني، خصوصًا بعد توالي الأحداث الأخيرة في شرقي اليمن، الذي يُشكّل خاصرة حساسة وخطرة للمملكة بحكم اتصاله المباشر بسلطنة عُمان. ويزداد ثقل هذا التساؤل بالنظر إلى طبيعة هذا الملف وما يمثّله من أهمية استراتيجية وحساسية مفرطة، وهو الملف الذي حرصت المملكة، طوال سنوات الأزمة اليمنية، على تحييده قدر الإمكان، مع إدراكها لما يدور حوله في بعض الدوائر ولدى خصوم يرون فيه مغنمًا مهمًا للضغط على المملكة وليّ ذراعها في ملفات أخرى، فضلًا عن استخدامه كأداة تشويش على أمنها القومي من نقطة تماس مباشرة وقريبة.


والنظر إلى هذا الأمر لا ينبغي أن يظل محصورًا في إطار الملف اليمني وحده، بل يجب أن يتسع ليشمل نطاقًا أوسع من الملفات التي تديرها المملكة مع خصومها، ليس في اليمن فحسب، بل في العديد من الساحات الحساسة، وفي مواقع مختلفة، تهدف من خلالها إلى الحفاظ على أمنها القومي ودورها الإقليمي والدولي. كما لا يجوز مقاربة هذه الملفات بمنطق الربح والخسارة البحت، بل بمنطق الموازنات الصعبة التي تفرضها السياسة الدولية في هذه المرحلة، وتقديم الأولويات، وتحديد طبيعة التبادل بينها، إذا ما فرض الواقع تغييرات على مسار التخط

يط الاستراتيجي أو المرحلي في التعامل مع تلك الملفات.


وبالنظر إلى الملف اليمني، الذي تُعدّ المملكة الفاعل الرئيسي فيه والممسك الحقيقي بخيوطه، لاعتبارات باتت معروفة للجميع، فإن الغموض الذي اكتنف ـ ولا يزال ـ طريقة إدارته من قبلها، أثار سيلاً من التساؤلات لدى المتابعين، خصوصًا فيما يتعلق بالسرديات المتداولة عمّا يجري على أرض الواقع، وهو ما فتح الباب أمام كثير من التكهنات، لا سيما أن المملكة تفضّل عادةً سياسة التكتم في التعامل مع مثل هذه الملفات، وهي استراتيجية معروفة في نهجها السياسي.


غير أن تعاطي المملكة مع الأحداث الأخيرة على حدودها الجنوبية الشرقية بدا أكثر وضوحًا، واتّسم بقدر من الحزم والغلظة الظاهرة، على نحو لم يعتده المتابعون لسياساتها في إدارة هذا النوع من الملفات. ومن هنا، عاد التساؤل ليطرح نفسه بقوة في أوساط متعددة: هل خُدِعت المملكة حتى آلت الأمور إلى مستوى بات يهدد أمنها القومي، كما يعتقد كثيرون؟ وهل كان التفاهم مع حلفائها في الشأن اليمني محصورًا في نطاق تحركات محددة ومؤقتة، قبل أن تجد نفسها وقد وقعت في خديعة أو ورطة تحاول الخروج منها بأقل التكاليف الممكنة؟ وهل تقبل الأطراف الأخرى بهذا المسلك، أم أن المملكة ستُضطر إلى خيارات بديلة قد تكون أكثر كلفة، خاصة بعدما أصبح الواقع على الأرض مكشوفًا، وباتت بعض الأطراف المتدخلة تلعب على المكشوف وتُعلن مواقفها علنًا؟


أم أن ما جرى يمكن توصيفه باعتباره خطأ في التقدير، تمثّل في السماح لبعض القوى بالاستقواء، أو الاعتماد على أطراف لم تحقق شيئًا يُذكر على أرض الواقع، وهي قوى نفعية أو كرتونية، عاجزة عن مواجهة التحديات الحقيقية، فأهدرت الوقت وبددت الجهود دون طائل، وعندما حانت لحظة الحاجة إليها نكصت على أعقابها، وتركَت المملكة تواجه تبعات هذا الخطأ وحدها، دون أن تبحث عن شركاء موثوقين قادرين على تحقيق نتائج ملموسة.


هذه التساؤلات، وغيرها، تعصف بالساحة اليوم. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المملكة، بحكمتها وتجربتها، العبور من هذه القنطرة الصعبة، واستخلاص الدروس اللازمة من هذه المعمعة، بما يحفظ أمنها القومي ويعيد ترتيب أوراقها في هذا الملف بالغ الحساسية؟